البحث عن الزمن في الزمن

كتبهاالخمليشي عبد السلام ، في 16 أبريل 2009 الساعة: 21:31 م


الحركة في العمل التشكيلي كالحركة في الموسيقى ، فتسارع النغمات في الموسيقى وتباطئها يولد لدينا إحساس خيالي بالحركة ، فينساب زمن هاته الحركة الخيالية متوازيا مع إنسياب حركة الزمن الحقيقي الممتد من بداية القطعة الموسيقية إلى نهايتها .
بينما الزمن الحقيقي في العمل التشكيلي مدته تقتصر على لمح البصر ويتجدد وينساب مع الزمن الخيالي في تتبعنا لحركة إنسياب الخطوط والسطوح والمنعرجات ويتكسر بإنكسارها.
في هذا العمل أردت أن تندفع فيه الحركة من الأسفل إلى الأعلى وتتدرج وتتسلق في بحثها نحو الفوق في تجدد الحياة في صراعها ضد التأكسد وهذا هو شأن الطبيعة الحية .
تنسيق الأزمان الخيالية للحركات في التشكيل هو كتنسيق للأزمان الخيالية للحركات في النغمات .


الصورة منقولة عن الإدراج: "  إندفاع تجدد الحياة  " (57 × 130 )

………………………………………………………………………………………………………..
 

(رفعت بصري إلى الأعلى لأحدِّد إرتفاع قرص الشمس المحرقة ، همهمت: حان وقت الوقوف عن الحركة ، على بعد قريب مني كانت تقف صخرة عظيمة، استجمعت بعض قواي واتجهت نحوها للإحتماء بظلها من سياط هذا النجم القاسي ، نِئت بثقل جسمي المتعب واستلقيت بجانبها وأخرجت من محفظتي ما تمكنت من صيده في الصباح ، وبحسرة مضغت وبلعت الحشرات الهامدة واستسلمت للنوم علني أفيق مع مَيَلان هاته الشمس بعد عشر ساعات معتدلة أرضية وبنشاط جديد لمتابعة سيري في البحث عن الماء .
من تجربتي في الأسبوع الماضي بعد نفاذ ما تبقى من زادي عرفت بأنني تائه في بيأة قاهرة في فلاة لا نهاية لها ، وأنني إذا ما أردت الحفاظ على حياتي يجب على أن أتّبع قوانينها , ويجب علي تنظيم تحركاتي في البحث عن مخرج سليم يحمي حياتي من ضيق الركود في شساعة هذا الأفق المطلق ويجنبني السقوط في العشوائية ، ووعيت بأن السقوط في العشوائية سيؤدي بي لا محالة إلى المزيد من الإرتباك العشوائي فالقنوط ثم الإحباط واليأس ومن بعده يأتي بدون شك الشلل المُحتم ، وهذا ما أخافني حقا وخصوصا بعدما أن ظهرت لي في طريقي صورا واضحة للإنمحاء المقدر لحيوانات كانت ثم خلت، فعزمت أمري آنذاك على اصطياد الحشرات والزواحف والبحث عن الأعشاب المُستساغة مع الحركة الدائمة في الترحال .)

 
من هاته الصورة الوجودية القاسية تكون الحركة هي نبض الحياة بدونها تتجمد الحياة مع الجماد في صيرورته الأزلية ، ومن هذا الوصف المتعمد - إن صدق- لوحدانية الإنسان وتساكنه مع نفسه في مجابهته لأقسى مظاهر الطبيعة تكون الحركة هي سبيله الوحيد للنجاة بحياته .

أقحمت هنا هاته المقدمة لألوّن القراءة ولأبعد القارئ عن تلك المفاهيم والمصطلحات الجافة والقريبة من التجريد وخصوصا عندما يتعلق الأمر بالزمن وبالحركة وسياق زمانها ولأفسح للخيال مجاله ، ولأقول بأن الإنسان يتساكن بحركته ولو مع نفسه ، وحركته هاته لا تتم إلاّ في زمان
فما هو الزمان؟
إذا ما إعتبرنا الزمن كنقطة - الآن- تتجدّد وتتدرّج وتتحرك من آن لآخر لتكوِّن محوراً ينساب في صيرورة المجال الكوني ، فإننا كذلك نضفي على مسيرة هذا المحور المنساب نظام وترتيب متتابع
فنقول : 1 – 2 – 3 – 4 …الخ

فنبني الرابع على الثالث والثالث على الثاني والثاني على الأول ، وكذلك هو الشأن بوعينا بحركة المدد الزمنية كقولنا كان زمن الرسول ثم زمن الخلفاء الراشدين ومن بعدهم أتى زمن الأمراء الأمويين ….إلى أن نصل إلى زمننا وكتابة هاته الحروف ، لنعي بأن زمننا هو كذلك في ترحال وسيولة .
لذا الكلام في الزمان وعن الزمان يؤدي بنا للكلام عن قصتنا لوعينا بحركته كوعينا بمرحلة طفولتنا ومرحلة مراهقتنا وشبابنا وإلى الآن
وكما قلت إن الإنسان يتساكن بحركته ولو مع نفسه كذلك التجمعات الإنسانية تتساكن مع نفسها ،وحركة التساكن الإجتماعي هاته تهمني أكثر ،وللحقيقة وإحتراما للصدق أقول إنها تغريني أكثر لذا سأدخل مباشرة لأتطرق لهذا الإتجاه .
في نظري أحسن ما يمثل الحركة في التساكن الإجتماعي وينطق بإسمها هي اللغة، سواء كانت كلامية أو غير كلامية كلغة العلامة وإشارة الإلتفاتة والتموضع في المجال ، فلغة الإنسان وفي جميع مجالات حياته وفي كافة مناحي وعيه ، من دردشة وأخبار وآراء لقضايا سياسية وثقافية وفنية وعلمية وحتى في تنظيم لباسه وبنائه هي في حقيقتها مجرد متابعة لمستجدات نوعية الحركة الإجتماعية ، حركة التعايش السائحة في مسارها عبر الزمن والتي يتزعم قيادة قافلتها القادة والنخب ذوي الإمتيازات المادية والثقافية داخل ذلك المجتمع .
الحركة التي تمس بطريقة مباشرة أو غير مباشرة جميع الأفواه المتحركة في طلب العيش .
لذى يقع التساؤل الملح عند الجميع عندما تصعب وتختل أسباب الحياة : إلى أين يقودنا قادتنا ؟

قد تكون هاته الحركة بطيئة أو سريعة ، قاصدة أو ملتوية منظمة أو عشوائية حسب قناعات ومصالح أصحابها ، لكنها تمثل حقيقة تواجد الإنسان على الأرض والمُغبر بغبارها وتحت لذعات سياط الشمس ، لذا الكلام سواء كان خبراً علمياً أو فنياً أونقداً سياسياً يأتي ككلام وكدراسة وكنقد لنوعية الحركة ، وحتى الكلام عن الكلام عن الكلام يكون كلاما عن الحركة والكلام الذي لا يعالج قضايا حركة الترحال عبر الزمن للمجتمع في حقيقته يكون خارج الزمن .
ولا شيئ يمكن أن يكون خارج الزمن .لأن الإنسان زمني بطبعه ببدايته ونهايته- رحمة له-.
ولا ننسى بأن نوعية الحركة تعكس نوعية الثقافة ونوعية الثقافة تعكس نوعية الحركة
وفي هذا التقابل إن شئنا القول يتم وعينا بالحركة وسياق وحدات أزمانها.
والحركة لا تتم إلا في الزمن وفي آنات زمنية متتابعة كما قلت ، من : ( من …. وحتى…..إلى)
ومن هذا رأى بعض المتأملون العرب المعاصرون أن حركة الزمن العربي تختلف عن حركة أزمنة الآخرين سواء في سرعتها أو نوعية قصد ها ، وأدرج هنا نماذج من هاته الآراء إلتقطها بالصدفة وما زالت مفاهمها فاعلة ورائجة منذ ثمانينات القرن الماضي وإلى الآن .

ففي رأي أنور عبدالملك في إحدى مقالاته ( الفكر العربي المعاصر،عدد :6 و 7 -1980 ) تحت عنوان : " مواقف في جدلية الزمن " يعرف الزمن قائلاً : ( الزمن هو حقل التقدم الإنساني ، النهر المتجدد الجاري ، إنه محتوى ومضمون التطور نفسه ) وبعد مقارنته لرؤى الزمن لدى شعوب الأرض والغرب على الخصوص وإختلاف تصورهم ومعالجتهم له وشأن أمة العرب داخل هذا المنظور، تراءى له أن الزمن لدى الغرب أصبح يقاس ويباع ويشترى ويسخر لمشيئته ويعيد أصله إلى واقع مدن الدولة الإغريقية الممهدة للفكر الأرسطوطالي .
بينما الزمن في رأي العرب هو: (بعد شامل وصانع التاريخ نفسه) ( ناتج عن متانة الديمومة الإجتماعية عبر القرون وآلاف السنين ) لذى أتى الزمن يقول أنور عبدالملك: (كمفهوم متكامل متواصل موحِّد موحَّد ).
وأخيرا يشيرعلى أن مفتاح الحلّ لهاته المشكلة حتى لا يقع الإنفصام التاريخي والحضاري للمجتمع العربي هو أنه : " يجب أن ينظر إليه- أي الحوار بين الحضارات – بمقياس الزمن ، حيث نتعامل هنا مع عمق المجال التاريخي وفي البقاء والإستمرارية الإجتماعية عبر التاريخ مع ما تواجهه الحضارات والثقافات وبالذات مسألة هويتها وإستمراريتها وتطورها ، وبكلمة أخرى مسألة جدلية الخصوصية ضمن الإطار الشامل للجنس البشري "
يظهر من هذا الكلام الجابذ قسراً لأسئلة كثيرة مفادها أن وعي المثقف العربي المعاصر بنفسه وبالآخر داخل العالم يعاني من عملية المجابهة والإحتياط ساعيا إلى تفادي الشق والإنفصام داخل وحدة مجتمعه الثقافية والسياسية .
أنور عبدالملك صادق في كلامه فهو ينطلق من واقع الحركة الساكنة والراكدة للزمن العربي الحالي وينظر بإطلالة الفهم وثقافة الإستشراقي المتفشية في عقل المثقف العربي الحالي ، فهو يظن بأن العرب يرون الزمن " كمفهوم متكامل متواصل موحٍّد موحًّد " بينما حركة زمن الغرب نتجت عن إتباعها الفكر الناتج عن مدن الدولة الإغريقية والفكر الأرسطوطالي .
نسى أنور عبدالملك حركة الزمن عند إبن خلدون التي لا تعرف الإستكانة كما نسى معالجة ماهية الزمن وحركته عند إبن سينا .( قد  أخطأ في حق الرجل بالحكم على فكره من مقال واحد ، فأعتذر، وأنا متيقن بأنه يعرف أن إنتعاش الماء فقط  يتم بعد تحريكها ).
هاته النظرة لوحدة الزمن كشيئ واحد موحٍّد موحًّد إستغلها ويستغلها المتحجرون العرب في حصونهم مما دفع بعضهم إلى حد الحماس والتصفيق للزمن المطلق (اللازمان الذي تنتفي وتختفي فيه الحركة )وأحتضنته واستساغته السياسات العربية الساكنة الطائفية والعشائرية والتابعة وصحافتها وإعلامها النادية باللاجدوى للحركة والتجدد والتغيير مستعملة في ذلك كل العوائق ومحتجَّة بعصامية نظام وحدة الشرع نفسه .

أما في الصحافة اليومية المتداولة وجدت بعض الكلام عن الحركة وزمانها ولو ضمنيا ، أستعرض هنا مثال إسترعى إنتباهي وهو مقال للدكتور محمد السيد السعيد بمناسبة الخمسين سنة من إحتلال فلسطين بعنوان :" فلسطين من أضاعها ومن يعيدها" (الأهرام الدولي 16 ماي 1998 ) يقول:
"الزمن الإجتماعي: فالنجرب أولا هذه الإجابة : الزمان أضاع فلسطين والزمان قد يعيدها .
الزمان هنا لا يعني توالي الأيام والشهور والسنين ، يعني مفارقات - بندول- التطور بين القوى والمجتمعات والحضارات في الساحتين الإقليمية والعالمية ، فالإنسانية تعيش في زمن واحد، لكن المجتمعات تعيش أزمنة مختلفة ويمكننا أن نحصي مفارقات عديدة نشأت عن فوالق الزمن الإجتماعي خاصة الفجوات الكبيرة بين حركة الزمن الغربي الذي تنتمي إليه الحركة الصهيونية
و الزمن العربي الذي شهد ضياع فلسطين " الكاتب في مقاله يحث على التسليم بالأمر الواقع ويتماشى بالتوازي وسياسة بلاده يريد للقارئ العربي الأستكانة والرجاء شانه شأن الفلاح المصري القديم يترقب إرتفاع وانخفاض مياه النيل وتناسى بأن هذا الإشكال عالجه عبدالناصرببناء البحيرة .وأن فلسطين هي الأرض العربية الوحيدة التي لم تستقل بعد من الإستعمار الغربي .

هذا الزمان الخيالي المتوحد المتعاظم في الوعي العربي الحالي ، وكأنه القدر المحتوم الذي لا سبيل إلى الخلاص منه إلاّ بالإنقباض والإستكان إليه ، نجده متعري وواضح عند مطاع صفدي فهو لا يرى في هذا الزمن إلا تاريخيته والحركة فيه هي صراع وجودي( الفكر العربي المعاصرعدد 8 و 9 1981 )
إذ يرى أن : " المشروع الثقافي العربي يقوم أساساً من كونه مشروع الوحدة العضوية للطبيعة والتاريخ والعقل ، عبر الصراع الوجودي للوعي والواقع ، المتمثلة في جدلية التحرر السياسي والثقافي والإقتصادي "

أكتفي بهاته الأمثلة المتفاوتة الرؤى للزمن وحركته في الوعي العربي الحالي
وسأبني كلامي القادم في البحث عن الزمن وحركته والمسافة إنطلاقا من التعريف الذي أعطاه المؤسس الأول إبن سينا  للزمن وحركته فبدون تعريفه هذا لما استطاعت الفزياء من تفكيك إشكاليات السرعة سواء للمقذوفات أو للموجات الإليكترونية العمودية المتقاطعة مع الأفقية لرسم هاته الحروف على الشاشة .
 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

2 تعليق على “البحث عن الزمن في الزمن”

  1. جميل أن يمتلك المبدع أكثر من اداة للتعبير،لأن الفن في الواقع كل لا يتجزأ،فاللوحة قصيدة صامتة،والقصيدة لوحة وموسيقى ملفوظة مسموعة ومرئية خلال اشتغالها على المشاهد الطبيعية والألوان,وأهم ما يستوقف في نصك اشتغاله على موضوع الحركة،التي استفاض العلم والفلسفةالحديث عنها،ومنهنا وهبت الحركة لمنحوتة قد يحكم عليها جهلا بأنها جامدة،وهي تاريخ حافل وهي قصيدة ناطقة بجمالياتها وإيقاعاتها،تقبل مروري على زمنك الجميل

  2. شكرا الأخت عمارية على إطلالتك على هاته المدونة وعلى كلماتك الطيبة والمحفزة،مع تحياتي الجميلة لك .



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر