.ضياء العزاوي أمام لوحته

عندما يقع حسن الأداء في العمل التشكيلي لا يسع المرأ إلا التصفيق له وإستحسانه مرة تلوى الأخرى لأنه يفرض نفسه علينا كلما عاودنا مشاهدته .
صورة ضياء العزاوي ولوحته التي قدمهما لنا فاروق يوسف ببراعته كالعادة في معالجته للحيز الثقافي والنفسي للفنان على نافذة التجديد العربي مشكورا ، أظهر لنا بعرضه هاته اللوحة أننا أمام فنان مقتدر يستعمل الإيجاز والبلاغة التشكيلية بحنكة واقتدار وبشاعرية وحضور صادق .
ولكي أقرب الصورة للزائر الكريم ، وخصوصا للزوار الذين هم أقل منا حظا في قراءة الأعمال
التشكيلية ، أقدم إنطباعاتي الأولية وبإختصار شديد أنظم كلامي على الشكل التالي:
1- بنية الصورة ،
2- اللون والضوء في الصورة ،
3- الخطوط وتضاريس الصورة
4- الحركة في الصورة ،.
1- بنية الصورة:
أظن أنه عندما وقف الفنان أمام فراغ اللوحة بوجهها الأبيض قبل الإشراع ، كان له فهم عن مغزى موضوعه وعلاقة ذلك بأسلوبه المتبع في أعماله السابقة ، فالسهل الممتنع في التلخيص المباشر للسطوح في هذا العمل يدلنا على ذلك.
قسّم الفنان لوحته إلى ثلاثة أبعاد ، وأطر هاته الأبعاد بإطار واضح من الجانب الأيسر وألأسفل ، فأتت هاته اللوحة كنافذة أو كباب ترحب بنا للإطلالة على العالم الخارجي ، بحيث يكون فيها البعد الأول هو مكان المشاهد نفسه ،أما البعد الثاني هي تلك الظلال أو الألوان الباردة ، الرمادي والأزرق والأسود في كلا جانبي اللوحة ، ومن بعده نلج قسرا إلى البعد الثالث المليئ بالضوء لنصل إلى حدود البياض الساطع .
اللون والضوء في الصورة:
فأتت سطوح الألوان المتداخلة الأبعاد في الصورة متزنة في خدمة الموضوع نفسه ، ألألوان الباردة في البعد الأول والثاني أى الداخل ، والألوان الدافئة في البعد الثالث أي ضوء الطبيعة والخارج . والملاحظ أن الفنان بحسه المرهف عمد بإحداث توازن بين هاته الألوان المتقابلة الدافئة والباردة ، فلجأ بإ دخال لمسات ألوان أو سطوح بسيطة كالأحمر الدافئ على الألوان الباردة في الزاوية اليسرى أسفل اللوحة ، وفي المقابل وضع اللون الأزرق والوردي البارد في الزاوية المقابلة بجانب مجال الألوان الدافئة ، في إتباع إنسياب الحركة في داخل اللوحة ، فأتت الألوان بسحرها وبترتيبها الهادئ الرزين وحدة متكاملة ، إذا ما أزيل أي عنصر منها إلا واشتكت منه باقي عناصر اللوحة .
الخطوط وتضاريس الصورة:
أما الخطوط فجلها مُنحنية ومُقوّسة ما عدا أعمدة الباب إن صح القول ، فخطوط الأقواس هاته تحدد الألوان والشكل العام ، إنها تلك الأقواس العربية المتأصلة في الوعي العراقي والعربي ، فهذا المشهد أو شرفة النافذة أو الباب هي ليست غربية ولا شرقية ولا شمالية ولا جنوبية ، إنها شرفة عربية عراقية ، إنها رؤية العربي لنفسه يجسدها لنا هنا الفنان العراقي بريشته .
السطوح والخطوط تلتوي بتضاريسها الشفافة وبحبكة بارعة ، بتنقيط الضوء على سطوح الألوان وبالبحث عن إنعطافاتها .
وفي سماء الفضاء المضيئ وفي أوج الإنفعال تسبح فوق الأبعاد وتحضر الخطوط السوداء بأشكالها ورسومها المتخيلة ، وتقف حاضرة بين المشاهد والفضاء الشاسع تتحدى التساؤلات لمغزى الدلالات المبهمة ، إنه الحضورالمتمرد المُتوقـَّع فبدون هاته الرسوم السوداء المبهمة تفقد اللوحة حضورها وانتعاش الفـُرجة .
الحركة في الصورة :

وفي هذا المشهد لإنعراجات الخطوط والسطوح تظهرلنا الحركة وكأنها ساكنة هادئة وهذا مرده إلى الإتزان الحاصل في اللوحة ، فهدوء الحركة الماثلة في المشهد بسبب التوازي بالألوان الداكنة على جانبي اللوحة ما هي إلا وجه يغطي ويخفف من حدة الحركة النشطة المَخفية بإقتدار والمنسابة على قطر اللوحة الذاهبة من الزاوية السفلى الحمراء إلى الزاوية العليا اليمنى السوداء الزرقاء .
وليس هذا فحسب فاللوحة بسبب حركة الأقواس وانعراجات الخطوط كلها تموٌّج وحركة ، وكأن اللوحة هي صورة لمشهد منعكس على تموجات سطح سماء الماء .
ربما هو سطح ما ء الفرات المتمثل في أحلام كل عراقي .
……………………………………………………………………………..
ضياء العزاوي في سبعينه: سومري هابط سلم الزقورة بأسرارالغيب!
فاروق يوسف
1-5 -2009
لو أن بغداد كانت موجودة لاحتفت بسبعين ابنها ضياء العزاوي. الرجل الذي غادرها منذ 35 سنة من غير ان يعود إليها (ربما عاد مرة واحدة. أنا غير متأكد)، غير ان لهب فجرها لم يفارق أصابعه. الرسام الذي لا يصب على سطوح لوحاته اصباغا بل أحلاما مستلهمة من ليل تلك المدينة التي صار الانتظار مهنتها. لقد اهتدى العزاوي إلى اقصر الطرق التي تصل به إلى قلب مدينته: صبرها. فكان صبورا مثلها. وفتيا وعاصفا مثلها أيضا. علمه درس التنقيب بحثا عن الآثار أن يتوقع العثور على الذهب في كل لحظة عمل وكدح. فكانت موهبة الكفاح لديه تتوازى مع قوة الالهام. في كل ما فعله كان العزاوي يصدر عن يقين مطلق يعلي من شأن الشظف. شغفه بالارادة الانسانية أعانه على فهم بلاده باعتبارها ورشة خيال لا يكف عن التحليق. وهو عن طريق ذلك الفهم المتأني لإنسانيته المقاومة استطاع ان يختزل تاريخ الحب في تلك البلاد المسيجة بالكراهية. كان الشعر العربي واحدة من تلك الوسائل التي استغاث بها لتنظيف الهواء من حول يده وهي تمضي مترفة إلى الابدية، غير أن رسومه كانت تنطوي على نوع استفهامي آخر من الكلام، كلام يتعلق بالمطلق. وهو نوع الكلام ذاته الذي اجتهد العراقيون عبر العصور في تهذيبه وصقله وتنعيمه وايجازه ومن ثم الانصات الى إيقاعه الفذ بشغبه. كل لوحة من العزاوي هي سؤال يائس من العثور على اجابة لا تعتذر عن نقصها. ربما يشعر الرسام انه ظهر في الزمن الذي ترك كل اجابة ممكنة وراءه. ليس للصنيع الفني في حالة مثل هذه سوى ان يعتذر عن خطأ في التوقيت. اخترع العزاوي زمنا يشبهه، زمنا هو مزيج من كل الازمنة التي عاشها العراقيون عبر التاريخ.
2
من النظرة الاولى التي يلقيها المرء عليه لا بد أن يدرك انه انما يقف امام متمرد كبير. تمرد العزاوي صار مع الزمن المضني نوعا من الخبرة. غير أنها الخبرة التي لم تفقد فعل التمرد طراوته وعفويته، بل ان تراكم المعرفة لدى العزاوي وهو نموذج للمثقف العضوي حقا قد أكسب تمرده الخلاق معاني عميقة صنعت مواقف انسانية جذرية، دقيقة وواضحة صار الفنان يتخذها بثقة في اللحظات التاريخية العصيبة التي تمر بها بلاده. لذلك فان حصر العزاوي في رسومه أو في كتاباته أو في منحوتاته أو في مشاريعه الثقافية الهادفة الى الحفاظ على الارث الفني العراقي وحدها قد يفقدنا البوصلة التي يكون في امكانها ان تقودنا الى مفهوم الفنان الشامل الذي حرص هذا الفنان على تجسيده والتبشير به. فالعزاوي هو كل ما يفعله، غير انه ايضا كل ما يفكر فيه ويحلم به. لا تكمن قيمته كلها في كونه واحدا من اهم الملونين العرب، ولا في كون خطوطه تذهب الى الروح مباشرة من غير ان تلبث في العين طويلا، ولا في كونه ألهم الشعر العربي حضورا تصويريا لم يكترث بالوصف، ولا في كونه بعث الحياة في الملاحم العراقية القديمة بل في ذلك كله مضافة اليه قوة تدميرية وتأسيسية هائلة، كامنة فيه لا تتسع لها أية مساحة تعبير واقعية متاحة. ربما علينا أن نتأمل ذلك المفهوم الذي اجترحه العزاوي وصفا للفنان الذي يرود الكون مدفوعا بقوة انسانيته الكامنة. وهو مفهوم يناسبه وينطبق عليه فعلا بالقدر الذي تضيق بحريته المفاهيم النقدية السائدة. شيء من هذا الفنان سيبقى، غير أنه الشيء الذي لا يمكننا العثور عليه في جزء محدد من سيرته. ستفلت بالتأكيد اجزاء كثيرة، غير ان ما لا ينسى من العزاوي انه أعاد التمرد الى خلاصته العراقية: الملك السومري الذي يضحي بملكه من اجل أن يعثر على عشبة الخلود. وبهذا فان قيمة العزاوي في الثقافة العربية (بضمنها الثقافة العراقية) ليست مرآة لما انجزه الرجل في الرسم او النحت (وهو انجاز حداثوي ضخم ومهم) فحسب بل وايضا لما يمثله مشروعه الطليعي من اهمية على مستوى معرفي، وهو مشروع قائم على نظرة نقدية صارمة تبحث في شؤون علاقة العربي بعصره. في المسافة التي تفصل ما بين (تل الزعتر) و(المعلقات) هناك طرق كثيرة استطاع العزاوي أن يؤثثها بأسئلة جمالية عاصفة، كان الوجود العربي كله ملعبها. بذريعة الرسم فتح العزاوي طرقات قادت خطانا خارج ما هو متداول من الرؤى والافكار في الحياة المباشرة.
3
أن يكون المرء عراقيا أكثر مما يجب، هل هي صفة ايجابية؟ في حالة ضياء العزاوي فان تلك الصفة تعني قدرة المرء على ان يتماهى مع اللامرئي من وجوده ليذهب من خلال ذلك الوجود في اتجاه فضاء عالمي لن يكون الذهاب اليه مقصودا لذاته. ما يظهر في رسومه من استغراق تأملي عميق في الرموز والاشكال والاشارات العراقية ما هو الا تعبير عن الرغبة في تفكيك أسرار ذلك الارث الجمالي والمعرفي العظيم الذي يقيم خارج حدود حيزه الجغرافي. عراق ضياء العزاوي لا يشبه أي عراق آخر. ليس هو عراق التاريخ تماما، فما من مدائح ولا مراث مجانية، وليس هو عراق الحياة اليومية والناس العاديين فما من حنين رومانسي ولا بكائيات، وليس هو العراق الذي يقيم على الخارطة باعتباره كيانا ارضيا فما من صورة لتصف. ربما نجد عراق العزاوي في كل لحظة فراق مصيري. يكون هذا المفهوم اكثر غموضا من خلال التوضيح. الطائر الذي اغرم به العزاوي هو الأكثر شبها بذلك العراق. فكرة ملتبسة عن جمال يكون وسيطا بين الخلائق، بعضها بالبعض الآخر. عراق لا تكشف عنه الرسوم ولا تزعم أنها تحتويه، بقدر ما تسعى إلى تجسيد قوته وخيلائه وتعففه وترف خياله. يقبض العزاوي على ضربة قدمي الطائر على الأرض التي تطلق الهواء في الجناحين ليعبئها حكايات. ليس للاسطورة شكل غير ان الرسام لا يميل الى الرضوخ لما يواجهه من تيه. كل حكاية من حكاياته تفتح أمامنا بابا نطل من خلاله على لغز لجمال محير لا يزال يتشكل. رسوم العزاوي هي منجم حكايات، غير أنها الحكايات التي يتشكل نسيجها من صور متخيلة. الرسم هو الواقعة الوحيدة التي ينظر إليها العزاوي بيقين مطلق. لطالما نظرت اليه متوهما انه خرج لتوه من احدى لوحاته: سومريا هابطا على سلم الزقورة بأسرار الغيب. ثقة العزاوي بالرسم لا تخطئها العين. ثقته بالعراق كذلك. هو عراقي أكثر مما يجب. لم لا؟
4
ما السر الذي يجعل ضياء العزاوي حاضرا بقوة وعمق في الثقافة العراقية بالرغم من غيابه حوالي 35 سنة، لم يعرض اثناءها داخل العراق أي عمل من أعماله الفنية؟ أعتقد ان العزاوي كان ولا يزال بالنسبة لعدد كبير من المثقفين العراقيين بمثابة الضمير الحي المنفي. العراق ليس مقبرة. ويضيف: لن أعود الى مقبرة.
قال العزاوي كلاما قريبا من هذا المعنى قبل سنوات قليلة. بجملته المؤثرة تلك لم يصف العراق كما يعرفه ويتمناه بل العراق الذي صنعه المحتل والمتحالفون معه، وهو العراق الذي كف عن أن يكون وطنا.
رسوم العزاوي تبقي العراق قويا وكريما ونقيا ومكافحا ومقاوما وصلبا ومتمردا وأبيا ومشاغبا وعنيدا. فالعزاوي في رسومه كما في كتاباته ينصص على أصل لم تعد النسخة الحالية من العراق المعروضة للبيع قادرة على استيعاب قوته.
وهي قوة مولها العزاوي في صفته واحدا من صناعها بأعصابه ورؤاه وخبرته وكفاحه وثقته المطلقة بالعراق. شيء من العزاوي سيبقى هو الشيء نفسه الذي سيبقى من العراق. إن رؤى ذلك الضمير المنفي تظل تمس بأجنحتها أوراق الوردة التي لن تنغلق على نفسها مثل قبر.
فاروق يوسف
شاعر وناقد من العراق يقيم في السويد
…………………………………………………
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات :
غير مصنف |
أرسل الإدراج
|
دوّن الإدراج