الديموقراطية وحسن التواجد
كتبهاالخمليشي عبد السلام ، في 23 مايو 2009 الساعة: 20:09 م
رسم (خيالي) من رسومات الخمليشي 2009
…………………………
سألني أحد المعارف الإسبان المتتبع لأحوال المغرب ، ماذا يقول الفن التشكيلي المغربي عن الديموقراطية في المغرب ؟ وعرفت بأنه يغمز ويعنيني لأن الفن التشكيلي المغربي بحر بتاريخه ، فأجبته بأن الديموقراطية في المغرب بخير مادامت تبحث عن نفسها .
من طبيعة الحال لم يقنعه جوابي وذلك لخلفيته الثقافية ولنظرته الدونية لصورة المغرب السياحي الفلكلوري المركبة والملصقة بذهنه المتسخ والتي لا يستطيع هو ولا يحبذ الفكاك منها .
تقريبا كنفس النظرة التي تشبث بها بعض أصدقاء إسبانيا من المغاربة في الإعلام والسياسة السابقين مع الأسف الشديد فحددوا في ذهنهم السابح في سماء البوغاز سقف المسار الديموقراطي المغربي بالمسار الديموقراطي الإسباني كمثال يقتدى به ، وذلك بمقارنتهم بما يسمونه بالعهد الجديد المغربي وحالة الإجتياز الديموقراطي التي حصلت في إسبانيا أواخر السبعينات بعد زوال نظام الجينرال فرانكو ولكون البلدين نظامهما ملكي ديموقراطي . وهذا في نظري غلط وجهل مُسطح فادح بحقيقة معنى الديموقراطية المرتبطة على الدوام بالواقع الإجتماعي .
ليس هناك مجال للمقارنة بين كلا الحالتين فالواقع الإقتصادي والإجتماعي المغربي يختلف جملة وتفصيلا عن الواقع الإسباني ولأن الديموقراطية في إسبانيا لها عيوبها ونواقصها وما زالت تجترّ وتجرّ وراءها مخازيها .
زيادة على ذلك المسار الديموقراطي الإسباني رافقه جو ثقافي جارف يرغب في التغيير بالإنجرار نحو الأصالة الأوروبية الجامعة والذي سموه آنذاك ب"الحَرْكة "(لاموفييذا)
بينما الجو الثقافي المرافق للحركة الديموقراطية في المغرب يحطاط من أصوله العربية والإسلامية فيمسخ نفسه بنفسه بالتشبه بورود اليسار ونوارس اليمين الغربي فأتت حركته الثقافية المرافقة كاذبة ، وكأن غايتها هي مجرد التشبه بثقافة الديموقراطية ، فتلون وجهها بصبائغ الديموقراطية الفاقعة الساذجة ، لا يستسيغها ولا يؤمن بجدواها إلا أصحابها.
أما الجمهور المتكلَّم بإسمه غيب بإسم الوصاية الحزبية المترهلة ، فظهر الحراك السياسي المغربي بصورته المنعكسة في الذهنية المغربية ساكنا متقوقعا يعيد نفسه في ترقب دائم رغم الضجيج المفتعل ، بعد أن وضع نفسه حبيس تخوفاته في حلقة وصل بين عروبته وأصالته المحلية من جهة وبين الغرب وإفريقيا من جهة أخرى فبدا واقفا يرضخ لرياح الشمال والشرق والجنوب علَّ الأنواء تأتي بسعد السعود .( 1 )
هذا الوصف لايعني أنني أنساق إلى كلام بكائي يندب زمانه وحظه ولا يعني أنني أقلل من شأن المسار الديموقراطي المغربي ، ففقط الكلام عن الديموقراطية في المغرب هو شيئ كبير في بحر العرب الذي تكاد تنعدم فيه الديموقراطية ، فهذا المسار خطا أشواطاً لا يستهان بها ولا يمكن التغافل عنها ، لكنه ومع ذلك ، لا يعمر العين قدر رجاء المغاربة وخيالهم الفسيح ، ولما للجـِدّة من مزايا الجـِدّة ، ولأسباب نهضوية موضوعية كان يُفترض أن يكون المسار الديموقراطي المغربي نموذجا حيا يقتدى به في كثير من أقطار العالم .
بدل من السقوط في الحزازات الحزبية الشخصانية والإديولوجيات ذات المعايير الأخلاقية الفارغة .
…………………..
قراءة الشيئ من الداخل قد تختلف عن قراءته من الخارج ،فمشهد صورة البيت من الداخل تختلف عن مشهد صورته من الخارج ، وما تراه ثقافة السياسة والإقتصاد أو الإعلام للشيئ قد تختلف ورؤية ثقافة التشكيل لنفس الشيئ، والدراسات الميدانية تختلف عن الدراسات النظرية ، لكنه إذا ما إجتمعت كل هاته القراءات والدراسات والآراء المختلفة نجد العقل يقترب أكثر في تشخيص وتشكيل واقع الشيئ .
يحسن أن أشير بأن كلامي ينطلق من ثقافة التربية التركيبية وثقافة التشكيل على الخصوص فالفن التشكيلي والحالة هاته ، ما يهمه فعلا هو: الوعي بشكل الأسلوب المتوخى للشيئ( الديموقراطية ) ونوعية تواجد الإنسان في الواقع .
وسأوجز كلامي بقدر المستطاع علني أوصل الفهم والفكرة بدون إلتواء.
ثقافة التشكيل ترى أن عقلنة "إحداث الأشياء" تتم عبر ثلاث مراحل :
1- مرحلة الدراسة للشيئ
2- مرحلة حسن الأداء للشيئ
3- مرحلة الإبداع في الشيئ
………………………..
-1-
فالشيئ المحدَث مثلا : " الديموقراطية " - يجب أن يدرس ويعالج كما يعالج أي شيئ يُراد بناؤه ، أي عبر نسق وعلائق أجزاء أشكاله العامة ، فتلك الإرتباطات والمصالح الإقتصادية المنتجة المتشابكة في الساحة الوطنية هي الخطاطة العامة أو الأشكال الأولى التي يجب أن تؤخذ في الإعتبار والدرس والتنظيم ، لأنها هي العناصر والسطوح المحددة لشكل موضوع التعايش والتساكن الإجتماعي العام ، ومن بعدها تأتي الإرتباطات للأجزاء الثانوية .
فبعد الدراسة والتمعن تـُخرِج وتظهر وتُعلِن الأحزاب أو الأفراد الممثلون لهاته المصالح عن برامجهم لنوعية شكل التساكن الإجتماعي المتوخى ليصوت عليه الناخبون .
وترافق هاته الدراسة الإستشرافية في غالب الأحيان ثقافة قاصدة تهيئ الإستعدادات للجو الديموقراطي بإبراز كل المعطيات والمسالك الممكنة للعموم وتشتهر بشدة قبل الإنتخابات وتهدأ بعدها دون أن تنطفئ لتتجدد ضراوة إشعاعها قبيل الإنتخابات المقبلة ، وهاته الدراسة لا تقف أبدا فهي تتجدد على الدوام مع تجدد الأحداث والظروف الإقتصادية والإجتماعية .
-2-
في حدود هذا الوصف المعروف عند الجميع يقف جل الناس يترقبون النزاهة في الإنتخابات وحسن الأداء فيها و بعدها ، و لا أي شيئ آخر .
فإذا ما إختلت النزاهة في الإنتخابات واختل حسن الأداء والتصرف بعدها ، يقنط وينفر الجميع وتقل المشاركة في اللعب الديموقراطي .
ومعنى ذلك أن تلك الدراسة المسبقة وتلك الثقافة المرافقة وقع فيها خلط وغلط وانحراف في شكل تساؤلاتها فيتحتم - لمصلحة الجميع- العودة لإصلاحها .
-3-
بالنسبة لثقافة الفن التشكيلي النزاهة وحسن الأداء للشيئ ما هي إلاّ وسيلة أساسية تؤدي إلى غاية وإلى غرض وهو حسن التواجد في الواقع المؤدي بدوره إلى التفاعل الذكي مع الواقع المتجدد العنيد بالمبادرة السليمة والصحيحة ويرى أنه عندئذ فقط تنفتح ابواب التجديد والإبداع .
تقريبا كالفهم الذي يسميه علماء الإسلام "بالإجتهاد " يستعملون النظر والبصيرة لتوسيع آفاق دائرة وحدة الشرع بالإجابة عن تساؤلات الحوادث الجديدة التي تظهر مع سياق تجدد الظروف والأزمان.
وحسن التواجد هذا كما قلت لا يتم إلا بعد حسن الأداء .
فلا يمكن لصانع ما أن يجدد ويبدع في عالم يتبارى فيه الصناع والمنتجون لشتى أنواع الإنتاج دون حسن الأداء
وفي الواقع حسن التواجد هوذلك الإستعداد النفسي والمعرفي المنظـَّم الذي يمكـِّن الفرد أو الجماعة من التغلب على التحديات المتجددة بإشكالاتها المتنوعة التي تفاجئ الإنسان يوميا في عمله وحياته.
وذلك التغلب على التحديات هو الذي يحرر الإنسان ويسعده ويبعده عن الإتكالية والتبعية ليصبح مبادراً لحل الإشكالات وحرّ ًا ومنتجاً خلاقاً .
الهوامش
(1) سعد السعود : نجم من نجوم الدلو(الفرغ المقدم ) ، يقع على طول وعرض:
(30د 21س / -6°)
"يطلع على أفق المشرق مع الفجر في 12 فبراير ، يُتيمن به ، فبطلوعه ينتهي فصل الشتاء القاسي وتبدأ الحياة دورة تجددها في الشجر والنبات ." (كتاب الأنواء والأزمنة ، إبن عاصم .)
في الخرائط والكتب الفلكية الغربية هو :
B(beta).Aqr
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج


























