الإنية والمكان -1 -
كتبهاالخمليشي عبد السلام ، في 30 يونيو 2009 الساعة: 15:45 م
في هاته الرسالة سأحاول التطرق والكلام عن مفهوم " المكان " ، ودائما بلغة متحررة - قدر الإمكان - من طوق المفاهيم المرتبة وبلغتي الخاصة المغلفة بنكهة التشكيل عل وعسى يحدث إختراق للمألوف والمعروف ، لأنني أظن ومن تجربتي في التشكيل بأنه لاشيئ جديد تحت الشمس ماعدا المتغيرات في تقييم جوهرالأشياء بسبب تغيرحركات الإنسان وخصوصيات أسلوبه في التنقيب .
وأحب أن أشير أن ماتطمح إليه لغة الفن بأسلوبها في الترغيب والإغراء بتزيين الحضور في الحياة أو بالنقد والهجاء وفي بعض الأحيان بالإستنكار والشجب هو عقلنة العالم ، علَّه ، ترتاح الإقامة فيه .
تناولت في إدراج سابق تعريف للزمن وحركته وحدوده التي أصاغها إبن سينا بنباهة ذكية ، وكيف يعتمد العقل العربي المسلم بتعريف الأشياء بحدود حركاتها وأن سعة الزمن قد تكبر إلى حدود متناهية في الكبر وتصغر إلى حدود متناهية في الصغر ، وكذلك الشعور بالزمن المطلق الدهر الذي يتفشى ويتعملق في حقب الإنحطاط للوعي والثقافة العربية .
ويبدو على أنه ، ما ينطبق على الزمان كذلك ينطبق على المكان ، إلا أن المكان أشد حضورا ، فنقطة العاشر من ذي الحجة في الزمن حاضرة في وعي المسلم ، لكنها أقل حضورا من نقطة مكان الكعبة في وعيه لكون هاته الأخيرة مستقرة ومشكـَّلة ومحسوسة في المكان وغير سابحة في حساب الزمان القابل للنسيان .
نسبة المكان من الكون هي كنسبة الزمان من الدهر، بين المحدد وغير المحدد بين المعلوم والمجهول، يحدد الإنسان الزمان بحدود وكذلك يحدد المكان في المجال المستوعب والمعروف بحدود ، كتحديده لمكان ما على صفحة لوحة أو على قطعة أرض أو في إقليم أو في بلد أو في منطقة من مناطق السماء .
فإذا ما كنا لا نستوعب الزمان إلا بالحركة ، فالمكان في الكون لا نستوعبه إلا بحدود هاته الحركة ، فيلعب على شعورنا بالتباعد والقرب المسافي والإحتياط والإحتراز .
وكأن الإنسان خلق وفطر على رسم حدود المكان ، فشغله الشاغل في الحياة هو رسم وحماية حدود مكانه ،سواء الحدود الشخصية أوالحدود الجماعية ، والعجيب في الأمر أنه فقط بالحماية والإحتياط يشعر الإنسان براحة التواجد في المكان ، غير ذلك يشعره وكأنه مخترق ومعرض للفناء .
يمكننا القول أن أبسط لغة لتشكيل المكان عند الإنسان هي النقطة وأن تكرارها يولد الخط والمسافة . فتسليط النظر على مكان محدد في الأفق يؤدي لا محالة إلى منظور ينتهي في النقطة ، لا تتحدد معالمها إلا بالإقتراب منها ، وربما لهذا السبب إستعان الإنسان بتشكيل علامة النقطة للإشارة للنهاية ، أو لتعليم المكان المتخيل في المجال الطبيعي لتسهيل العودة إليه مستقبلا .
قد يكبرشكل النقطة أو يصغر لكنه يبقى شاهداً على موضع المكان ، كشهادة نقطة مدينة ما على خارطة ما ،أو كشهادة قطعة الحجر الشاهدة على(موضوع) إتجاه القبر ، أوكمسلّة أو نصب يشهد ويخلد( موضوع ) الأحداث والأمجاد .
وبما أن النقطة كما أشرت تتعلق أساساً بالنظر والمنظور ، أي بالحواس والحدس ، فالحواس هنا هي حاسة البصر والحدس هو(معالجة الموضوع الخفي) المتوهم بالحدس.( 1 )
لذا فالمكان الذي تشغره النقطة في وسط مجال حدود الصفحة مثلا ، ليس كتواجدها في أعلى الصفحة أو أسفلها أو على أحد جوانبها ( الرسم 1 ) لأن الحدس يؤولها بتأويلات مختلفة .
هذا من جهة ،ومن جهة أخرى يظهر أن شأن هاته النقطة البسيطة أكبر من حجمها وأعمق مما قد يُتصور.
فتواجد النقطة في وسط الصفحة يعكس قراءة حواسنا وفهم حدسنا لشعورنا بالتواجد في وسط مجال ما ، - تقريبا كإنعكاس حسرتنا لحسرة ممثل الرواية مع تتابع صور الشريط ، لأننا نتقمص شخصيته – كذلك هنا نتقمص موقع النقطة في المكان المحدد وهذا يعني أن النقطة التي نحددها في وسط الصفحة ما هي إلا إنعكاس لإنيتنا ونوعية تقييمنا للتواجد ولتواجدنا في وسط المجال الطبيعي المحدد .
قد يغيب عنا هذا الفهم لتعودنا عليه ولعدم مبالاتنا به لبساطته ، لكن ما أن يركز الذهن ذهنه في ذلك حتى يتجلى لنا بوضوح وضع هاته العلاقة ، لأن الإنسان يستعمل الحواس للمشاهدة والحدس لتوهم المعنى والأخذ به.
وهاته العلاقة هي إحدى الأدوات التي يستعملها الفنان التشكيلي والمخرج السينيمائي على الخصوص ليجرنا وراءه .
عند هذا الفهم سأقف حتى لا أثقل على الزائر الكريم وسأتابع كلامي في إدراجات قادمة في بحثي عن هاته النقطة العنيدة والتي أراها تعكس إنية الذات الملتصقة والمتموقعة بالمكان وكذا دور الحس البصري والحدس عند الإنسان في تشكيل العوالم المتجددة لمركزية المجال .
( يتبع )
(1) الحدس: " الظن والتخمين والتوهم في معاني الكلام والأمور " ، لسان العرب ، إبن منظور/ الوراق
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج


























