
صورة نصب الدستور الإسباني
بعد زوال النظام الديكتاتوري بإسبانيا إثر موت الجنرال فرانكو ، أجمع كل عقلاء إسبانيا ومفكريها وأحزابها الوطنية سواء المقيمة منها في الداخل أو في منافى الخارج، أنه لابد من طي الصفحة وبناء البلد على نهج ديموقراطي متطلع للحداثة والإنفتاح على الأصول الغربية والأطلسية فأحدثوا دستورا جديدا متفق عليه 1978
وكان لابد من وضع صرح أو نصب يشخص ويخلد حدث الدستور الجديد ، فاعلنوا عن مبارة في الساحة الوطنية على كل المبدعين لتشخيص هذا المشروع .
كنت أنذاك منتسبا لكلية الفنون الجميلة بمدريد وما زلت أتذكر الحماس الذي كان يدور حول هذا المشروع سواء من طرف الطلبة أو الأساتذة أو في الإعلام المحلي لأن قيمة الجائزة كانت قيمة وخصوصا القيمة المعنوية ولأن الأمر يتعلق بدستور البلاد ، وخصوصا والشارع الإسباني يغلي بالحماسة السياسية يطفئ غليل سكوته لعقود من الديكتاتورية . لم أشارك في المبارة كأصدقائي الإسبان لأنني كنت أظن بان موضوع المشروع شأن إسباني محض، ونسبة نجاحي فيه منعدمة ، فلا يمكن بأي حال من الأحوال أن يشخص دستور البلاد فنان أجنبي رغم التقدير والإحتضان والعناية التي غمرتني بها المؤسسة الجامعية وأساتذتها .
وبعد عام 1979ظهرت نتيجة المبارة صادق عليها كبار الفنانين والنقاد الإسبان وكان الفائز المهندس ميغيل أنخل رويس-لاريا .
العمل الفائزهو عبارة عن مكعب من الإسمنت مغلف بصفائح المرمر الأبيض ، مجوف ظاهر الأقطار، منفتح على الجهات الأربع ، ضلعه الخارجي 7,75م ، وفي وسطه مكعب داخلي فارغ متناسب وقياس الإنسان .
(أنظر الصورة 1) .
المكعب أتى منفتحا على الجهات الأربع ، وهو دعوة للإنفتاح على كل الشعب الإسباني إلى الإلتقاء في أصل ومركزالمكعب الفارغ - ذا القياس المتناسب وحجم الإنسان - الممثل لمنبر الدستور .
آنذاك ظهرت في الإعلام الإسباني شائعات تؤول بان هذا النصَب إقتبسه المهندس لارّْيا من نصَب مكعب آخر للفنان السوسري ماكس بيل الذي أقيم في لندن 1952 والمخصص للمعتقل السياسي المجهول .
لكن ذلك التأويل على ما يظهر لا أساس له من الصحة لإختلاف الموضوع ، دحضه كل النقاد الإسبان . ومع ذلك يبقى التساؤل مطروحا في الهواء ، لماذا أختِير المكعب لتشخيص قانون الدستور؟ ولماذا أختير ليكون رمز اللقاء والإجماع ؟
بقي هذا التساؤل يراودني حتى الساعة ، فبالنسبة لي المكعب الوحيد في العالم الذي يبهر الإنسانية لقوة جاذبيته لمائات الملايين من البشر، هو مكعب الكعبة .
فهل هذا العمل مستوحى من قكرة اللقاء والإجماع حول الكعبة وقانون الشرع الإسلامي ؟ وهذا ما يغلب على ظني .
أم هو مجرد شعور إنساني يعقلن المكان بالتكعيب في الكون الدائري ، ولأن المكعب أسلم وأجمل الأحجام البسيطة المعقلنة عند الإنسان ؟
أقدم هذا المثال هنا لتشخيص مركز المكان ولأشير بأن مركز المكان هو هاجس إنساني تتوحد فيه خلاصة بنية الفكر الجماعي ، غايته تذكير الأفراد والعموم بتماسك النظام وعَقد الشرع الجماعي ولنتذكر بان إعلان حساب شهور النسيئ مثلا التي كانت توحِّد حساب السنة الزمنية عند القبائل العربية في الجاهلية ، كانت لا تعلن إلا في أ شهر الحرم أيام الحج للكعبة . فتوحد وتحدِّد موعد الحج القادم علّ مناخ الزمن يوافق وسير قوافل التجار.
ولنتذكر بأن بداية الزمن لتاريخ العرب الحديث لم تعلن إلا في وقت الإجتماع حول مركز المكان ، في حجة الوداع عندما أعلن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم قائلاً : "ألا إن الزمان قد إستدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض السنة إثنى عشر شهرا " أراد أن حساب زمن التاريخ العربي الحديث بدأ إنطلاقته الأولى في تلك اللآونة المجيدة ، كإنطلاقة حركة الأفلاك من نقطة إنطلاقتها الأولى يوم خلق الله السماوات والأرض .وأن تنسيق الزمن لم يعد يقتصرومصالح تجار قوافل القبائل العربية ، فقد أصبح هذا الزمن شاملا ، زمن أفضل أمة أخرجت للناس وللعالمين .
هذا من جهة ،
وقبل أن أتابع كلامي ، ليسمح لي القارئ الكريم وليستعين بالصبر لإلتواءاتي في دروب وأزقة هذا الموضوع ، وبصراحة فإنني أجد نفسي كذاك السائح الهائم الذي يفضل التيه والدهشة وما تخبؤه منعطفات أزقة المدن القديمة .
إرتأيت أن أقدم تعريف أركيولوجي بسيط يبتعد عن تعريفات الفلسفة للإنية والمكان وهو عبارة عن خلاصة ما غربلته من غبار وأتربة حاجبة خلال قراءاتي المختلفة ،والتي أظنها إماءات للإنية والمكان وكذا لمركزية المكان وأنها تستحق بعض الإعتبار .
وأشير بأنه يُحسِن الظن من يظن أن الكلام الذي سأدلي به يدخل في مجال علوم اللغة والفلسفة وحتى في علوم التاريخ المختصة . لكن إشكال ثقافة الفنون التشكيلية أنها متطفلة تقطف من كل الإختصاصات سواءكانت علوم لغوية أو علوم رقمية ،فالأمر لديها سيان .
وأن فكرها ثوري الطبع ، تتعمد إدخال رأسها ونفسها واللخبطة في نظم المفاهيم المغلقة وفي ما لا يعنيها ، وهذا قدرها في بحثها الدؤوب عن الجدة .
الإنية:
يقول الفرابي في " إنَّ " و " أنَّ " و " الإنِّية " :
(معنى " إنَّ " الثبات والدوام والكمال والوثاقة في الوجود وفي العلم بالشيئ ، وموضع " إنَّ " و " أنَّ " في جميع الألسنة بيّن ، وهو في الفارسية كاف مكسورة حينا وكاف مفتوحة حينا ، وأظهر من ذلك في اليونانية " أن " و " أون " وكلاهما تأكيد إلاّ أن " أون " الثانية أشدّ تأكيداً فإنه دليل على الأكمل والأثبت والأدوم فلذلك يسمون الله ب " أون " ممدودة الواو وهم يخصون به الله ، فإذا جعلوها لغير الله قالوها ب" أن " مقصورة ولذلك تسمي الفلاسفة الوجود الكامل " إنية الشيئ " وهو بعينه ماهيته ، ويقولون : ما "إنية الشيئ " ؟ يعنون ما وجوده الأكمل وهو ماهيته إلاّ في الأخبار دون التساؤل ) ( 1 )
كلام الفرابي واضح في شأن إن والإنية إذا ما وضعناه في سياق زمانه والثقافة المتداولة عند معاصريه ، لكنه في الوقت الحالي بعد تراكم الدراسات والأبحاث العلمية والتنقيب في التاريخ وتاريخ التشكيل العربي القديم ، يذهب هاجس ثبات الأنية وتشكيل معالم الكون إلى آلاف السنين قبل اليونان والفرس يبدأ من مهد الحضارة الإنسانية عند الإنسان العربي في جنوب العراق .
إنية الكاف والنون
يجمع كل الباحثين على أن تشكيل العالم أخذ شكله الثقافي عند السومريين فكانت الأرض "كي" والسماء "أن" والريح "إنليل" (2) وبهذا أتى نطق "كي" و "أن" من أسماء الآله السوميرية الأكادية المكونة لمفهوم الكون ، وأسست لهاجس عبادة المظاهر الكونية لمن أتى بعدها ، لترافقها لغة تتناسب وتتناغم مع هاته الثقافة الهاجسية التصورية للكون ، ومن هنا ألتصق معنى "كي" و"كا " بقدسية المكان والشيئ ، وإذا كان كذلك - أتساءل – هل أخذت" كي" دلالتها الكاملة في رموز العبادات المصرية القديمة ، ف"كا" في الثقافة المصرية القديمة هي صفة لجوهر الحياة (الروح) ويكتب ويُرمز لها بذراعين مرفوعين إلى السماء.
في المعاجم الصوفية (3) "كا" هو" من أسماء الجسم الكوني عند المصريين القدماء "، بمعناه الحالي تقريبا تكون قراءته كما أفهمها كالتالي : أن الجسم أو المكان أو الصورة أو التمثال المشار إليه بذراعين مرفوعين إلى السماء ، هو مستوجب للتكبير والصلاة والتعظيم لذاته ولمكانه ولإنيته وليس لما يمثله ، لكونه حامل لنفـَس ونبض الحياة (الروح) التي بعزيمتها المتوهمة يمكن أن تؤثربالسلب أو بالإجاب على باقي الأحياء ،وما دامت "كا " (الروح ) تشغره يمكن أن ينبعث في أي وقت ما ، وأظن أن هاجس الإنبعاث هذا في ثقافة أهل النيل القديمة كان نتيجة الملاحظة الشديدة للطبيعة ، كإنبعاث الحياة وتجددها في حبوب النبات اليابسة بعودتها إلى الأرض المعطاء "كي"،
ربما يكون هذا التجدد الطبيعي الملاحظ من طرف الإنسان العربي القديم المهوس بالمظاهر الطبيعية هوالسبب المنهك لهاجسه منذ القدم ، في بحثه العنيد نحو الخلود والحياة الأبدية وضد الموت والمرض والزوال والإندثار والمُمهِّد لتقديس المكان والأرض المعطاء " كي" وقد يكون كذلك هو المُمهِّد لثقافة الإعتقاد في مصرالقديمة بجدوى تحنيط الأموات للإنبعاث مستقبلاً .
ما ظهر لي من تحرياتي أن مفهوم إنِّية "كي" أو "كا" الأرضية في ثقافة مصر القديمة تغلَّبت على مفهوم "أن" وإنيتها السماوية ، و يغلب عندي الإعتقاد أن "كي" أو" كا " المنطوقة بالفارسية والتي تعادل وتعني "أن " و" إنّ" حسب كلام الفرابي ، ربما نتجت عن خلط بتأثر الفرس بالمفهوم الثقافي المصري لإنية "كي " و"كا" في القرن الخامس قبل الميلاد عندما إمتدوا وأكتسحوا مصر القديمة وتحكموا فيها لمدة قرنين (525-332ق.م) ، إلى أن سقطت مصر من جديد تحت تأثير الإستعمار الإغريقي الروماني والذين لم يتم جلاؤهم عنها عبر البحار إلاّمع بداية التاريخ الحديث بعد الثورة العربية بظهور الإسلام سنة 638 ب.م
تقريبا أغلب أسماء الأماكن والمواقع في البلاد العربية التي يشمل إسمها حرف "الكاف " وكانت موجودة قبل إختلاط الشعوب في العصر الهيلينيستي أي قبل القرن الثالث قبل الميلاد إلا ويرتبط إسمها بمفهوم هاته القدسية الخاشعة ( الندبية )(4) ، ككاف أوروك (عاصمة غلغميش 2650 ق.م وركة الحالية) وكش ومكة وعكة وبكة وكرنك وبعلبك إلخ..، وبقي تقديس أماكن العبادة وطهارتها مع الإسلام وحتى إلى يومنا هذا ، ويشترط في تأسيسها أن يكون موقع المكان عذري طاهر خالي من الشوائب وليس في ملك أحد ،إنه بيت من بيوت الله ، وحتى الباني الذي يصرف أمواله في شأن تأسيسها ،يكون إرتباطه بها مجرد لباس ثقافي إجتماعي غايته التقرب إلى الله . يتحدث إبن أبي زرع في كتاب القرطاس أنه عندما عزمت فاطمة الفهرية علي بناء جامع القرويين ، أختير المكان فبني الجامع بمواد البناء المستخرجة من نفس موقع البناء وذلك لدفع كل الشبهات .(5)
أما إرتباط حرف الكاف في الكلام بمفهوم الموقع والأرض والحركة عليها فموجود في جميع اللهجات العربية بما فبها الأمازيغية .
لذا يمكن القول أن حرف الكاف في البلاد العربية وعلى طول تاريخها هو حرف الأرض والمكان بإمتياز لا يعادله ويجاريه أي حرف آخرفي هذا الإرتباط ، وإن إستغربت
فجرب البحث عن جذر حرف الكاف وعلاقته بالتواجد في الواقع في الكلمات التالية : كان، إنك ، كذلك ، لكن ، كل ، الكنيسة ،النكبة ، الكرسي، الكُلاب ،الكهف، الكمياء ، الكنية ، الكلام ، إكـَّا ، كي ،كشف ، شك َّ ،أكنون ، إكاون ، الركن، ترك ، كبس، سكَّ ،الكتاب ، كدَّ ، الكنُّ والإكنان ، الملك ، الكم ،الشكل ، الكنه ، والكرّ إلخ…
إنية" إن "
(يتبع)
(1)الفرابي ، كتاب الحروف ، ص 1 / الوراق
(2)
MESOPOTAMIA( historia politica,economica y cultural)
Edi.AKAL ,1987
(3)
H.P.Blavatsky, Glosario Teosofico,editorial humanitas,Barcelona 1996
(4)
الندبية : نسبة إلى الندبة وهي شعائر الإحتفالات الموسمية للأماكن المقدسة ، كانت تسمى هاته الشعائر بالندبة في عبلة قرب حلب .
EL ANTIGUO ORIENTE( Historia ,sociedad y economia),
MarioLiverani,critica/arqueologia,Barcelona 1995
(5)
إبن أبي زرع ، كتاب الأنيس المطرب بروض القرطاس في أخبار ملوك المغرب وتاريخ مدينة فاس . ص: 30
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات :
غير مصنف |
أرسل الإدراج
|
دوّن الإدراج