مصر تبحث عن نفسها

كتبهاالخمليشي عبد السلام ، في 22 أكتوبر 2009 الساعة: 03:47 ص

 

مصر تبحث عن نفسها
 
 

لإعتبارات تاريخية تخص مصر وتطلعات شعبها التي هي نفس  التطلعات لباقي الشعوب العربية الواقفة على مفترق الطريق تترقب إنطلاقة الإندفاع في  الإتجاه الصحيح للتغيير .
أحتفظ وأدرج هنا كلام منقول عن ثلاثة مواقع ولثلاثة رموز مصرية معروفة :
 
-الأول: لمحمد حسنين هيكل ، تحت عنوان :تمهيد واجب لحوار مفتوح \ منقول عن موقع الكادر العراقيhttp://www.alkader.net

 - الثاني :لمحمد عبدالحكم دياب ، تحت عنوان : هوامش على كتاب البابا شنودة الثالث وتأييده
للتوريث\ عن القدس العربي ،http://www.alquds.co.uk/
 
- الثالث : للدكتور محمد عباس ، تحت عنوان : إني أتهم "1" الدولة تتنصر|، عن موقع د.محمدعباس .http://www.mohamadabbas.net/
 
 
 
 
 
 
 
اللوحة للزميل الفنان المصري : أحمد نوار
 
 
 
 
 
 

 
 
 

………………………………………………………………………………………………

الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل يكتب: تمهيد واجب لحوار مفتوح ..
 
(لدينا أزمة عدل وأزمة قانون وأزمة إدارة وأزمة ثقة.. ولم نصل من قبل إلى هذا التفاوت بين سكان القصور وسكان القبور )
 
 
 
هيكل
قبل أن تقرأ..!
 
كان لقاءً عادياً يتكرر من حين إلى آخر.. ولكننى ذهبت إليه هذه المرة وبين ضلوعى سؤال واحد، أراه - ويراه الكثيرون - سؤال وطن يبحث عن طريق.. قلت لنفسى إن المرحلة المقبلة هى الأخطر فى تاريخنا الحديث، ليس لأننا نخطو وننتظر الثمار، ولكن لأن الطريق يكسوه الضباب، والأقدام لا تخطو، وإن هى خطت لا تعرف اتجاهاً.. وفى ذلك مأزق ينذر بمجهول لا نعرف مداه.
إذن.. فهو المستقبل الذى يملكنا، بينما ينبغى أن نمتلكه.. ولأننى أعرف قدرته الهائلة على التحليل والتفكير، بادرته بما دار فى ذهنى.. قلت له إن تشخيص اللحظة الراهنة شغلنا أكثر مما ينبغى.. هكذا أرى.. وأن النقد بات أسهل من الاستشراف، والهدم أرخص من البناء، وكلمة «لا» تصنع أبطالاً ولكنها لا تنير سبيلاً.. وأنت تمتلك مفاتيح الرؤية ورموز المعادلات..
فدعنا نضع تصوراتك ومقترحاتك لمستقبل تراه أفضل، ويظل الأمر محصوراً فى مساحة الاجتهاد، ومفجراً لنقاش موضوعى نحن أحوج له من أى وقت مضى!
استمع إلىّ بإنصات، ثم قال: لا مانع.. فقد سُئلت كثيراً فى حوارات «الجزيرة» عن الشأن الداخلى المصرى.. لكنى آثرت أن تدار المناقشة والحوار فى الداخل.. غير أننا يجب أن نتفق أولاً على المساحات التى نطؤها، حتى لا تأخذنا أمواج الحديث إلى شواطئ هامشية لا تفيد.
حين تتحاور مع الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل، لابد أن تعلن حالة الاستنفار الذهنى.. فالرجل يعنى كل كلمة يقولها.. لا يستطرد فيما يمكن فهمه بكلمات قليلة، ولا يترك منطقة غائمة دون أن يبدد غموضها ويهيئها للناظرين..
هكذا دار حوارنا الذى استغرق خمس ساعات على جلستين متتاليتين.. وراق له، ولى، أن ينقسم إلى ثلاثة أجزاء: الأول هو ما تطالعونه اليوم، ويتضمن كلمة مطولة كتبها بقلمه توطئة لهذا الحوار..
والثانى يركز على مستقبل مصر، وما يراه - من وجهة نظره - لبناء دولة قوية وإنسان أقوى.. والثالث يكشف فيه أسرار ما كان وما جرى فى تقرير «جولدستون»، الذى أثار جدلاً واسعاً على المستويين الإقليمى والدولى.
وقبل أن نقرأ.. ربما يكون مناسباً أن أقول إن هذا الحوار المطول إنما يمثل اجتهاداً للإجابة عن أسئلة المستقبل.. وفى الاجتهاد دائماً فرصة لبدء حوار إيجابى ونقاش موضوعى.. وفى الحوار والنقاش حق أصيل لى ولك، لأن الشعوب ترتقى حين تتحاور.. وتندثر عندما تتعارك..!
مجدى الجلاد
أعرف، وأنت تعرف، أن أى حوار مفتوح يأخذ المشاركين مرات كثيرة إلى أبعد مما يريدون، وأوسع مما هو مناسب، بقصد التركيز والفهم.
ويمكن أن تسمح بأن نحاول معاً أولاً وقبل كل شىء تحديد إطار ما تريد أن تتحدث فيه، وأنا أيضاً أريد أن أتحدث فيه، ولكى أكون صريحاً معك فإن أمور الشأن الداخلى موضوعات سُئلت عنها فى حوارات على قناة الجزيرة، لكنى آثرت هناك أن أختصر وأنقل هذه المناقشة إلى هنا - فى الداخل وليس من بعيد.
وإذا حاولنا معاً وضع إطار، أظننا يمكن أن نتفق على مجموعة نقط نستطيع أن نعدها بالعدد، وبعدها نستطيع الاستطراد فى الحوار والمناقشة، ونقدر بعدها أن نشرد إلى أى اتجاه، وندخل فى تفاصيل أى رواية.
نتفق أولاً على إطار ثم نمضى فى الكلام مرسلاً إلى حيث يأخذنا.
أولاً: اسمح لى بداية أن أقول لك إننا بلد فى أزمة معقدة متشابكة، اقتصادية - اجتماعية - سياسية - ثقافية، وفى بعض المرات إنسانية.
عندنا مشاكل مخيفة فى قصور التنمية، وفى تخلفها، خصوصاً فى مجال الصحة والتعليم - فى العدالة الاجتماعية - فى التفاوتات الطبقية، إلى درجة مرعبة، ولم يحدث من قبل فى مصر أن بلغ مثل هذا التفاوت بين سكان القصور وسكان القبور.
لدينا أزمة عدل، وأزمة قانون، وأزمة إدارة، وأزمة ثقة. حيثما التفتّ هناك أزمة - هناك استعصاء - هناك عجز.
وثانياً: ليس هناك شك فى أن القوة الكامنة فى الشعب المصرى، والقدرة على البناء فيه - نحن شعب من البنائين - حققت ظهوراً لبعض الفئات وهو ما نشهده فى حركة العمران، لكنى وأظنك معى تخشى من أى نمو غير مخطط يهزم أغراضه فى النهاية، لأن النهوض حركة اجتماعية عامة، وليست فئات تبنى حياتها فى جزر معزولة.
وأنا أول من يسلم أننا بلد محدود فى موارده الاقتصادية، لكننا بلد غير محدود فى طاقاته الإنسانية، إذا استقام توظيفها.
وثالثاً: فإننا اعتمدنا فى علاجنا لمشاكلنا الداخلية على سياسات تكاد تذكرنا بنهايات الدول والعصور، فهى سياسات تعتمد على التخويف والإلهاء.
بمعنى أن الأمن موجود فى كل قضية، وسابق لأى فعل، وهذه مسألة ثقيلة ومهينة أيضاً، بمعنى أن عنصر الإلهاء يدخل مع عنصر الأمن ويسير معه جنباً إلى جنب، وأمامك قوة عناصر الأمن المركزى التى تصدم النظر فى كل ميدان فى القاهرة وغيرها من المدن، وهناك شاشات ومهرجانات لا تكف عن الصخب طوال الوقت، صارخة ملونة بذيئة فى كثير من الأحيان.
ورابعاً: هناك التغطية على مشاكلنا الحقيقية، لأننا نمارس عملية تمويه بأشكال من العلاقات العامة بدائية.
مثلاً نريد أن نظهر الحرص على الناس فى خطر أنفلونزا الطيور أو الخنازير أو أى أنفلونزا أخرى، ونروح نبالغ فى إظهار الحرص على الناس إلى درجة إصابتهم بالرعب - إلى درجة الوصول إلى إجراءات من نوع إعدام كل الخنازير فى مصر بطريقة متوحشة - ثم إرباك كل فصول التعليم والدراسة فى مصر، إلى درجة أن منظمة الصحة العالمية أرسلت تسألنا باستغراب واستنكار «ماذا تفعلون؟!».
بين دول العالم كلها لم يفعل أحد ما فعلناه، لكننا نريد أن نظهر أننا حريصون على الناس، بينما يموت بيننا من الجوع أو أثناء الهجرة من اليأس أضعاف أضعاف من يمكن أن تصيبهم أنفلونزا الخنازير.
وخامساً: فى سياستنا العربية نحن أسأنا إدارة علاقاتنا، وأعطينا إحساساً - صحيحاً أو غير صحيح - بأننا نريد أن نستفيد إعلامياً فى الغالب على حساب الآخرين، ونريد أن نفرض أنفسنا كوسطاء بينهم وبين العالم، وهم لا يحتاجون إلى وساطة، ثم إننا نتصرف أمام أكبر وأخطر القضايا وكأن لدينا تفويضاً - لا أعرف ممن - بأن نتصرف وفق حكمة عندنا لا يعرف سرها غيرنا!!
وهذا كلام لا يفعله أحد، والنتيجة أن معظم العالم العربى ابتعد، ولك أن تعد البلاد العربية بلداً بلداً، وسوف تجد أن الذين تباعدوا كثيرون، وأن هناك أقلية تريد أن تكفى نفسها وجع الدماغ، أو تريد أن تتوارى وراءنا، وتترك لنا الصدارة، فمادام التصدر يعجبنا فهم يستطيعون تركه لنا، وأما عن الحصاد فنحن خارج الحساب إلا من كلمات تغطى الخلل بإطراءات ومدائح يعرفون أنها ترضينا وتسرنا، وهذا حال لا هو مرضٍ ولا هو سار.
وسادساً: نحن فى سياساتنا مع العالم الخارجى لم نعد ندير سياسات مهتمة بقضاياه، وإنما كله فعل فى الظاهر، وكله نشاط على السطح، وهدفه بالدرجة الأولى - وكل الناس يعرفون - أنه موجه إلى نوع آخر من العلاقات العامة تغطى الخلل فى الداخل والتراجع فى الإقليم بحكايات وحواديت وصور ليس وراءها تأثير حقيقى.
قل لى يا أستاذ «مجدى» أين نحن من آسيا.. أين نحن من الصين ومن الهند ومن إندونيسيا؟
أين نحن من أفريقيا.. أين نحن من دول الجوار المحيط بنا؟! أين نحن من أوروبا بالفعل وليس بالخيال، كما أظهرت انتخابات اليونسكو الأخيرة، وكذلك جلسة التصويت على تقرير «جولدستون» فى مجلس حقوق الإنسان؟!! بل أين نحن من الولايات المتحدة - بالمفهوم الحقيقى لعلاقات متكافئة؟!
أين نحن من إسرائيل - بالمفهوم الحقيقى لعلاقات مقبولة؟!
سابعاً: فى مجمل هذا كله إن السياسة المصرية الراهنة أضعف جداً مما تريده وتستحقه مصر غداً، فنحن سياسياً أمام طرق مسدودة، وبصراحة شديدة فنحن أمام ظروف غير قابلة للاستمرار، وبالتالى أوضاع غير قابلة للدوام!!
إننا لانزال حيارى فى أهم ما تحملنا به من مسؤوليات، ففى قضية السلام مثلاً أمامنا الخرافة التى أوحت إلينا أن «أوباما هو الحل» لم تعد قائمة ولا نافعة.
لكننا نريد أن نوهم أنفسنا أو نوهم الناس، بينما إسرائيل تقول لنا بأعلى صوت إن ما سمى بعملية السلام انتهت، وأن ما نراه أمامنا على الأرض فى إسرائيل هو نفسه الحل النهائى ولا زيادة عليه.
لكننا مصممون على الوهم، ليس هذا فقط، ولكننا نخذل أصدقاءنا.
كل العالم الذى كان مهتماً لم يعد مهتماً.
كل الهيئات والمؤسسات التى أعطتنا حقاً، ابتداءً من محكمة العدل فى قضية «الجدار العازل»، ومجموعة «جولدستون» فى مأساة غزة، تجاهلناها كلها لمجرد أننا نعتمد الأوهام التى نحبها.
«ليبرمان» وزير خارجية إسرائيل يقول هذا الأسبوع بغلاظة ما كنا نحس به من التصرفات، وأن إسرائيل لديها ما تأخذه، لكن ليس لديها ما تعطيه.
ثم إن الولايات المتحدة التى كان فيها الأمل من وقت «نيكسون» و«كيسنجر»، ووقت «أوباما» و«ميتشل» - ليس لديها الوقت لنا، عندها من مشاكلها ما يكفيها وزيادة بعد أن جرى طرح ما لا يقل عن ثلاثين مبادرة مختلفة، أى مبادرة كل سنة - مبادرات مبادرات حتى فرغ المخزون كله، ونحن مصممون على الوهم أو الإيهام!!
ليست المبادرات هى التى فرغت فقط، ولكن جوائز «نوبل» أيضاً.
جائزة لـ«كيسنجر» - جائزة لـ«السادات» - جائزة لـ«بيجن» - جائزة لـ«عرفات» - جائزة لـ«رابين» - جائزة لـ«بيريز» - وكلها عن مبادرات، وأخيراً جائزة لـ«أوباما» دون مبادرات!!
المبادرات تتلاحق والجوائز تجىء، والسلام بعيد أكثر مما كان فى أى وقت مضى!!
أى أن المستقبل فى أبسط الأحوال - وحتى لا أصدمك وأقول - خطر ومجهول - ولكى لا أصدمك وأقول إنه مرعب، فإذا تركنا أوضاعه كما هى فنحن فى الطريق إلى فوضى وإلى انفجار وإلى خروج كامل من العصر، نغوص بعده فى مستنقع لا نعرف كيف نخرج منه.
تذكر القول الشائع فى السياسة بأنه إذا لم يستطع الناس حل أزماتهم بإراداتهم، فإن هذه الأزمات سوف تحل نفسها بنفسها.
وإذا لم نستطع أن نحل أزماتنا بطريقة منظمة، فسوف تحل الأزمات نفسها بطريقة غير منظمة.
إذا لم تقم أنت بفك اللغم من تحتك، فإن هذا اللغم لن ينتظر إذنك حتى ينفجر.
أعرف وتعرف أن هناك ترتيبات يتصور بعضهم أنها قادرة على المستقبل، وترى ويرى معك كل الناس أنها قاصرة قبل أن تبدأ، وخذ ما يلى:
أولاً: الرئيس «مبارك» - وأنا رجل يحترم الحدود ويحترم المقامات - له فى الحكم الآن ما يصل إلى ثلاثين سنة، وهو يحكم باسم النظام الذى قام فى ٢٣ يوليو، وفى الحقيقة فإنه لم يكن نظاماً واحداً، وإنما ثلاثة نظم مع ثلاثة رجال، كل منهم له تصورات مختلفة متباعدة بعد السماء عن الأرض، وأنا واحد من الذين يعرفون أن ثورة يوليو توقفت سنة ١٩٦٧، وأنه بعد يونيو ١٩٦٧ فإن «جمال عبدالناصر» ظل فى الواقع يقود الوطنية المصرية الموصولة بالقومية العربية وليس بالضبط ثورة يوليو حتى وصلنا إلى يوم ٦ أكتوبر ١٩٧٣، وكان «أنور السادات» معتمداً على شرعية يوليو السابقة، وشرعية الوطنية المصرية بعدها، هو الرجل الذى أصدر قرار القتال، لكن لسوء الحظ فإن النهايات فى أكتوبر لم تكن على مستوى البدايات، فقد كان السلاح عظيماً فى أدائه، وكانت السياسة أداء آخر قادت إليه أوهام لا داعى للحديث عنها الآن.
لكن فى النتيجة قامت أوضاع.
لا هى ثورة يوليو، ولا هى إرادة الوطنية المصرية، ولا هى مستوى أداء السلاح، كل هذه العناصر غابت أو غُيبت بقصد أو بجهل، والنتيجة أحوال ضاعت فيها السياسة، واختلطت الطرق، وتاه الناس.
وبدا يوماً بعد يوم أن المستقبل ضبابى.
كان آخر نبض سياسى فى مصر هو انتفاضة الطبقة المتوسطة فى ١٨ و١٩ يناير ١٩٧٧، التى سماها الرئيس «السادات» «انتفاضة الحرامية»، وكانت هى التى قادته بعد ذلك إلى الطريق الكارثى نحو زيارة القدس!!
وبعد القدس حكاية الانفتاح، وبعد الانفتاح قصص يطول شرحها.
ودخلنا إلى التيه فى كل اتجاه وأى اتجاه.
وقد وصلنا الآن إلى نهاية الطريق - وعند هذه النهاية فإننا نبحث عن مستقبل.
هناك تصور للمستقبل يلقى إلى الناس من جانب ما يسمى بـ«الحزب الوطنى»، وهو كيان نظامى، وأنا لا أقول تنظيمى، لأنه ليس تعبيراً شعبياً أو طبقياً أو فكرياً، وإنما ببساطة مسألة سلطة لها أدواتها، ومصالح لها مطالبها، وكلاهما بعيد عن أى نوع من أنواع الشرعية الدستورية أو القانونية بالمعنى الحقيقى لما هو دستورى وقانونى.
والغريب أن هذا الحزب هو تناسخ غير متسق للاتحاد القومى القديم - ثم الاتحاد الاشتراكى القديم - ثم حزب مصر الذى لم يعش طويلاً، غيّر اسمه إلى الحزب الوطنى القديم أيضاً!
ثم إن هذا التناسخ السياسى حدث بالتوازى مع شىء من نفس النوع للأشخاص، وهكذا توازى ما يجرى سياسياً مع ما يجرى طبقياً.
وتصور المستقبل كما ينزل إلينا من الحزب الوطنى غريب فى بابه:
هناك جماعة تسمى نفسها «الحرس القديم»، وتبشرنا بأن المستقبل مأمون مع رئاسة أخرى خامسة للرئيس «مبارك» - الذى سوف يرشح نفسه من جديد سنة ٢٠١١.
وهناك جماعة تسمى نفسها «الحرس الجديد»، وتبشرنا بأن الرئاسة القادمة ليست له - بعد عمر طويل - وإنما فى وريث قادم إلى السلطة بدرجة القرب وبأحقية الإرث، أو بممارسة الديمقراطية وصناديق الاقتراع، كما نعرفها فى التجربة العربية!
وتلك كلها ليست بالضبط ملامح مستقبل واعد، ولا بشارات أمل يمكن الاطمئنان إليه.
والمشكلة الكبرى أن الدستور المعمول به يساعد ويمهد لأشياء من هذا النوع، وعلى نحو حديدى تمثله المادة ٧٦، الطارئة على دستور جرى تعديله وتبديله وترقيعه عدة مرات، حتى أصبح مهلهلا.
ويغطى ولكنه لا يستر - هناك فارق بين الغطاء والستر.
وإذا كانت هذه الأوضاع لا تضمن مستقبلا - إذن فما هو العمل؟! خصوصا إذا كنا نريد انتقالاً منظماً من إحباط إلى أمل.
بمعنى أننا لا نريد أحوال فوضى، ولا أحوال انقلاب، وإنما نريد انتقالا يستطيع الرئيس «مبارك» نفسه أن يقدم به خدمة جليلة للأمة تذكرها له إلى الأبد وتشكره عليها على طول العصور.
بوضوح:
١- هناك انتقال ضرورى للسلطة لخلق أوضاع تواجه عالما مختلفا.
٢- كل ما هو مرسوم للانتقال الآن لا يؤدى إلا: إما إلى فوضى أو انفجار، لا أحد يستطيع تقدير مداه.
٣- لقد حدثت فى مصر وحتى غيرها من البلاد العربية لكى نكون منصفين أحوال تفريغ من الحياة السياسية وتجريفها.
فطول البقاء فى السلطة مع القهر الشديد، سواء بدعاوى الأمن أو دعاوى الاستقرار، عطل تواصل الأجيال فى كل نواحى الحياة فى مصر.
ونتيجة هذه العملية - التفريغ والتجريف - أنه لم يعد ممكنا أن يحدث انتقال سهل من رجل إلى رجل فى طلب استمرار طبيعى.
لا يحتاج البلد إلى انتقال فقط، ولكن إلى فترة انتقالية.
وهناك عدد من الرجال تطرح أسماؤهم بدائل فى البحث عن أمل، لكن المشكلة الكبرى أنه ليس فى مقدور واحد منهم بمفرده أن يملأ الفجوة الهائلة بين الواقع والمطلوب.
هناك أسماء مطروحة ومعنى طرحها أن هناك ثقة فيهم، وأنهم رجال وقع عليهم اختيار الناس بالحس الطبيعى المرهف لشعب أرهقته أوضاعه الراهنة.
هناك اسم السيد «عمرو موسى»، وهناك الدكتور «محمد البرادعى»، وهناك الدكتور «أحمد زويل»، وهناك اللواء «عمر سليمان»، وهناك الدكتور «مجدى يعقوب»، والمستشار طارق البشرى، وهناك غيرهم رجال تلوح أسماؤهم فى الأفق، وعلى سبيل المثال منهم الدكتور «حازم الببلاوى»، والدكتور «محمد غنيم»، والدكتور «يحيى الجمل»، وهناك آخرون غير هؤلاء، خصوصا ممن يمكن أن يمثلوا التيار الدينى، وهو رافد مهم فى الحياة السياسية المصرية، وممن يمكن أن يمثلوا المرأة، وهى نصف المجتمع بالتعبير الدارج.
وتصورى أنه من هؤلاء جميعا ومن غيرهم يمكن تشكيل ما يمكن أن نسميه مجلس أمناء الدولة والدستور، بالكثير عشر أو خمس عشرة شخصية، مع ملاحظة أن هناك خارج مصر فيضاً بشرياً من الكفاءات، تركها اضطرارا وإحباطاً، وهذا مخزون هائل من الكفاءات على استعداد للاستجابة إذا أحس بأمل.
والحقيقة أننا فى حاجة إلى بناء دولة - وليس مجرد حكومة أو سلطة.
ونحن فى حاجة إلى دستور يكون عقدا اجتماعياً قادرا على أن يصون كل ما هو أصيل فى هذا البلد، ويفتح الطريق إلى كل ما هو مطلوب لمستقبله.
وفى ظنى أن يكون هذا المجلس فى حضور القوات المسلحة وهيبتها، متمثلة فى المشير «محمد حسين طنطاوى»، ثم أن يكون دوره انتقاليا لثلاث سنوات، يقوم فيها بعدة مهام ضرورية لإعادة قاطرة الوطن إلى قضبانها السليمة بعد قضبان تؤدى إلى لا مكان، كما هو الحال الآن.
ومجلس أمناء الدولة والدستور، كما أقترحه، يكون هدفه فتح طريق مغلق.
رجال كل منهم له قيمته المعترف بها، وله دوره المشهود، وأهم من ذلك أنه حتى على نحو غير مرتب وغير مخطط حظى بدرجة من ثقة الناس عن بعد، مما جعلهم يفكرون فيه ويرشحون ويطالبون به حلا، هيئة تقود عملية انتقال سياسى له أساس تفرضه إرادة شرعية متعالية على كل الأهواء - شرعية عقد اجتماعى حقيقى، كما قلت وأكرر - ويمكن فى فترة الانتقال أن تظل هناك وزارة تقوم بمهام التنفيذ، وأنا شخصيا أقبل أن يرأسها رجل مثل «محمد رشيد»، وأن يكون نائبه رجلاً مثل «يوسف بطرس غالى»، ففى ذلك ضمانة حتى لا يتعطل التنفيذ فى انتظار إعادة البناء السياسى، وفى ذلك أيضا درجة من الاستمرار تكفل التغيير دون أن تؤدى إلى انقطاع خلال فترة انتقالية لا تطول عن ثلاث سنوات.
فى نهاية ما نريد الإقرار به قبل أن نسترسل فى الحوار إلى حيث يأخذنا، فعلينا أن نفهم أن كل ما نقوله أو نعرضه سوف يكون مآله الإعراض والرفض.
أولاً: لأن هناك من يعتقد أنه ليس فى الإمكان أبدع مما كان.
وثانيا: لأن هناك من سوف يبدون الاستهوال أن نبدأ من جديد بفترة انتقالية لإعادة البناء، لكننى واحد من الذين يعتقدون أنه مهما تأخرنا، فإننا سوف نعود يوما ما بلدا جديدا، ببساطة لأن التركيبة السياسية كما هى حاليا تحملت أكثر مما تستطيع.
ثالثا: هناك من سوف يقول إن مجلس أمناء الدولة والدستور من كل هؤلاء الرجال أعجز من أن ينهض بالمسؤولية، وذلك فى ظنى غير دقيق، فهؤلاء جميعا رجال ذوو تجربة محترمة فى كل المجالات، ثم هم رجال تعلقت بهم آمال جماهير عريضة، حتى دون أن يطرحوا أنفسهم، ثم إن تقديرهم للمسؤولية سوف يخلق بينهم روابط مهمة شبه مقدسة، مرجوة من شعب يأمل فيهم لمهمة محددة تفتح طريقا إلى جيل أكثر شبابا وأكثر جرأة على المستقبل.
وفى كل الأحوال فهذا مجرد تصور مطروح للنقاش، وبالتأكيد فقد نتوصل إلى ما هو أكفأ منه.
رابعا: هناك من سوف يقول إن ذلك مخالف للدستور، وهذه سمعتها من قبل، عندما اقترحت قبل سنوات فكرة إنشاء مجلس للرئاسة، يعمل بجوار الرئيس، حتى يتعرف الناس على وجوه مختلفة.
لكن الدستور الذى اتسع لمادة بحجم «المادة ٧٦»، وهو حجم قصة لنجيب محفوظ - لا تسمح بنوده بأى اقتراح من هذا النوع - كذلك يقال لنا.
خامسا: سوف تجد من يقول إن ذلك كلام حاقدين موتورين ينبغى أن يطوح به إلى بعيد، ولا يناقشه أحد، أو يطرح بديلا له للانتقال من إحباط مستبد إلى همة تقدر، وسوف تقرأ وتسمع كثيرا لا علاقة له بالموضوع، لكنه لسوء الحظ أسلوب عنيف وعقيم فى ممارسة العمل السياسى، وهو جزء من أزمته الراهنة!!
ولنا الآن أن نترك أنفسنا للحوار يأخذنا إلى حيث نشاء!!
غدا
الجزء الأول من الحوار
هيكل يطرح رؤية لمستقبل مصر ويشخص أوضاع السياسة والأحزاب والإخوان المسلمين

………………………………………………………………………………

هوامش على كتاب البابا شنودة الثالث وتأييده للتوريث


محمد عبد الحكم دياب

24/10/2009،http://www.alquds.co.uk/

توقفت من مدة عن الكتابة عن توريث الحكم ونقله من مبارك الأب إلى مبارك الابن. والسبب أن التوريث أضحى قضية أولى تشغل الرأي العام الوطني والعربي. ومجال استقطاب بين القوى الوطنية وبين منظومة الاستبداد والفساد والتبعية وتنال المعالجة اللازمة داخل مصر، وما كنا نتناوله ونكتبه في السابق استمد قيمته الكبرى من الحاجة إليه وندرته وسبقه. في وقت لم يكن قد تنبه إليه أحد. وحين يصبح الجهد مشاعا وشائعا فمن الممكن أن يسعى الكاتب والصحافي لقضايا أخرى على نفس الدرجة من الأهمية. وفي الوقت الذي بدأت فيه ‘القدس العربي’ تناول ذلك الموضوع منذ أكثر من عشر سنوات. كانت وحدها تطرق أبوابه بشدة، ولم يكن هناك من يتصور حدوثه، وتغير الوضع في السنوات الأخيرة، وصار الحديث عن التوريث غير خاضع لقاعدة الندرة. وهذا لا يمنعالقدس العربي’ من الاحتفاظ بقصب السبق. ومن يعمل في مجال الصحافة والإعلام يعي ما لذلك من قيمة مهنية وعملية. وأذكر حين بدأت مناقشة التوقعات المبكرة للتوريث مع رئيس التحرير الأخ والصديق الأستاذ عبد الباري عطوان كانت رائحة التوريث لم تزكم الأنوف بعد، وكان قد غاب عن كثيرين أن رياح التوريث هبت على مصر في وقت متزامن مع هبوبها على سورية. في النصف الثاني من تسعينات القرن الماضي. في ذلك الوقت المبكر لم يكن هناك من يتصور أن تصاب مصر بهذا المرض. وكان رئيس التحرير من بين هؤلاء. ويرى بحكم تقديره لمصر ودورها وتاريخها أنها محصنة ضد ذلك المرض، وأذكر أنني قلت له ان العدوى إذا ما انتشرت لا تستثني أحدا. وظهر الخيط الأبيض من الخيط الأسود بداية من محاضرة الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل في الجامعة الأمريكية سنة 2002. تلاها ظهور حركة كفاية 2004، كأول جماعة وطنية تخصصت في مقاومة التوريث، والدعوة لتغيير الحكم، واسترداد النظام الجمهوري الذي قضت عليه عائلة مبارك، بعد أن تمكنت من اختطاف السلطة بمعاونة عدد من المماليك والأغوات. حصلوا على نصيبهم من الغنيمة.. سلطة وثروة ونفوذ، وهؤلاء يتحكمون في مصائر ومقادير البلاد والعباد حاليا.

وجاء دخول البابا شنودة على خط التوريث بشكل مباشر حافزا على العودة لتناوله من جديد، وكان قد أعلنها صريحة أن الوحيد الذي يصلح لحكم مصر هو جمال مبارك لا غيره، بكل ما في هذا القول من عدم تقدير للمسؤولية الوطنية والقانونية، وما فيه من إهانة للشعب، والقفز على هذه المسؤولية هبط بقدر رجل في مقام ومكانة البابا شنودة الثالث. وهذا الانتقال الصادم والمفاجئ من المجال الوطني الرحب إلى الغيتو الطائفي الخانق. كان تفسيره الممكن، من وجهة نظري، هو أن البابا تحول لمرتكز في تحالف يجد مصلحته في وصول جمال مبارك إلى حكم مصر. بعد أن تحول إلى مؤسسة انعزالية. حاكمة ومتحكمة. ترى مصلحتها في تقسيم المصريين إلى طوائف وشيع. ما هو الثمن المدفوع لهذا الدور؟ وما هو المقابل؟. والرد يملكه التيار الانعزالي الغالب في داخل الكنيسة المصرية. يرى فرصته مؤاتية بتأييد وريث من المتوقع أن يكون حكمه الأكثر ضعفا مقارنة بحكم والده الضعيف أصلا. والحكم الضعيف يحقق مكاسب جمة للمتربصين. الذين ينكمشون ويُحَاصَرون في النظم القوية ومع الحكم المؤيد من الشعب. وضعف الحكم فرصة يهتبلها الانعزاليون لترسيخ الانتماء الطائفي، وللتخلص من الأعباء والالتزامات الوطنية. وتنازل البابا عن مكانته ونزوله من علياء المكانة الروحية إلى سفح المصالح الذاتية الضيقة ليس في صالحه، ولا في صالح أحد. وإذا كان هذا اختياره، وهو الرجل المخضرم، فإن ذلك يسمح بالتعامل معه على أساس وضعه الجديد، الذي أرتضاه لنفسه. ويجري عليه ما يجري على السياسيين وأنصار العمل الطائفي والانعزالي. يخضع للنقد والهجوم والإدانة والمساءلة، فمقامه الديني تراجع أمام مغريات السياسة.
وحتى وقت قريب كنت معجبا بالبابا شنودة ومتحمسا له. وسعيت للقائه، وأجريت معه حوارا في منتصف تسعينات القرن الماضي. نشرته مجلة ‘أخبار العرب’ اللندنية، التي كانت تصدر في ذلك الوقت. وقتها قابلت رجلا ذكيا سريع البديهة خفيف الظل ودودا ومفعما بالحيوية والحضور. وحين دخلت إليه كانت أعداد غفيرة تنتظر دورها لمقابلته. وأذكر تأثير عبارته الشهيرة التي صارت مثلا: ‘مصر ليست وطنا نعيش فيه بل وطنا يعيش فينا’. كان لهذه العبارة وقع السحر في نفوس الغالبية العظمى من المصريين، المسلمين قبل المسيحيين، عبارة ملكت الأفئدة، وكان قبلها قد كسب الشارع العربي، لموقفه من القدس والتطبيع، ولتصريحه بأن المسيحيين المصريين لن يدخلوا القدس إلا مع المسلمين. ارتفع إلى عليين. ووُصف ببابا العرب والمسلمين، وهي مكانة لم يصل إليها أحد قبله. وجرى هذا اللقاء في وقت كان العنف الديني في ذروته وينذر بعواقب وخيمة. تحدثت معه في قضايا عديدة. داخلية وخارجية، وعن الحاضر والمستقبل، وفي جزء غير مسجل من الحوار، بعد أن أوقفت التسجيل. قلت: ‘ قداسة البابا إن المسيحيين سيكونون في وضع أفضل وأحسن حظا نسبيا من اخوتهم المسلمين، وإذا ما حكم المتطرفون الإسلاميون، سوف يعاملونكم كأهل كتاب. تدفعون الجزية مقابل تأمين النفس ونيل الحماية، وتعلم قداستكم أن دم المسلمين مهدر بحكم أنهم عادوا إلى الجاهلية الأولى من وجهة نظر هذه التيارات. وفي مقدمة المهدر دمهم العاملون والمتعاملون مع الثقافة والعلوم والفنون والآداب، والولوغ في دمائهم يعني لدى بعضهم تقربا إلى الله. لن تنفع أولئك المسلمين جزية ولن ينقذهم رجاء’. وابتسم ولم يعلق. وكان كلما حضر سكرتيره تنبيها لانتهاء وقت المقابلة يطلب منه الانتظار. وتجاوز اللقاء الوقت المحدد له بكثير.
عندما ينسى رجل الدين دوره وينغمس في السياسة يكون ذلك إيذانا بخروج الطائفية من جحورها. وفي بلد يعيش احتقانا شاملا وحادا ليس في حاجة إلى ذلك، ورجل الدين الفطن الكيس يخفف الاحتقان ويبتعد عن شبهة الفتنة. وتأييد البابا للتوريث فتح باب الجحيم. وأيقظ الفتنة التي أطلت برأسها فعلا لا قولا. وإذا كنا قد انتقدنا البابا شنودة، وهو يحول الكنيسة إلى دولة داخل الدولة، بشكل متناقض مع تعاليم السيد المسيح عليه

السلام. وكان ذلك في أزمة وفاء قسطنطين. ولأول مرة يقسم الحكم استبداده وقهره بينه وبين الكنيسة بصورة سافرة. وفي رسالة لا تخطؤها العين أعلن البابا تأييده للتوريث وهو يطل على الناس من قناة فضائية مملوكة لأحد أصدقائه. رجل الأعمال والمليارات نجيب ساويرس. هم هذه الفضائية تكريس الثقافة الانعزالية. أطل منها معلنا بتحد واضح: ‘ سأؤيد جمال مبارك فى حالة ترشيحه للرئاسة، ولن أتراجع عن رأيي’. وكأنه يرغب في قطع آخر رباط بين الكنيسة المصرية والجماعة الوطنية.
هل من المصلحة عزل الكنيسة المصرية وأتباعها شركاء الوطن عن باقي الجماعة الوطنية؟ وهل من الحكمة أن تكون الطائفة بديلا عن الوطن؟ وهل من المعقول أن يشعر المسيحي المصري بأنه طلق المواطنة بلا رجعة؟ والرد على هذه الأسئلة يخرج من ظروف بالغة التعقيد، بسبب ما يقوم به طابور خامس. نجح إلى حد كبير في إعادة إنتاج القبطية بشكل جديد. يرى أن مصر ليست وطن المصريين بل وطن أقباط، أخذوا على عاتقهم تضليل الناس. يقولون لهم انهم ليسوا مصريين ولا عربا، لا مسلمين أو مسيحيين، إنما أقباطا لهم مهمة مقدسة هي الإجهاز على الشخصية المصرية، وطمس الهوية القومية، وتسببت هذه الأكذوبة الكبرى في اتخاذي لقرار منعت فيه نفسي من وصف أي مواطن بأنه قبطي. بسبب إصرار الانعزاليين على العودة لجذورهم اليونانية. يبررون بها رفض الاندماج والتعايش مع باقي شركائهم في الوطن. وبسبب انكشاف ما ادعوه من أنهم امتداد مصر القديمة المسماة بالفرعونية. وهذه القبطية المدعاة نشأت ونمت في حقبة قطيعة استمرت قرونا طويلة. صنعها الفرس واليونانيون والرومان مع التاريخ المصري القديم. وكان ذلك قبل استئناف التواصل بعد تحرير مصر منهم، وبعد تراجع نفوذ الجاليات الأجنبية، خاصة الإغريقية واليهودية بعد الفتح العربي. وكانت الريبة قد تسربت لنفسي بفعل طول المقام في بلاد الغرب. وجاء ذلك مصحوبا بالتعرف على أصل الإسم اللاتيني لمصر، فهو ليس اسمها القديم. مصدره الإسم اليوناني لها. وهو إيجيبتوس، ومنها اشتقت الأسماء الغربية لبلد النيل. وفي ذلك رفض غير مبرر لأسمائها القديمة والحديثة. ومع مستويات التقدم والتنظيم المبهرة في الغرب، إلا أن الثقافة السائدة تقلل من شأن الثقافات المخالفة وتلغي حضارات الغير. وهذا سر إعلائها لشأن الحضارة اليونانية، وتجاهل باقي الحضارات. وترى أن الشخصية المصرية ماتت تاريخيا، وإذا أرادت أن تحيا عليها العودة إلى الكهوف والحفريات بحثا عن مسخ يوناني تنتمي إليه. وتبذل جماعات عنصرية وتبشيرية جهدا خارقا لإحياء اللغة القبطية تمهيدا لإزاحة اللغة العربية. وقد نشرنا على هذه الصفحة عدة مقالات في آب/أغسطس الماضي. حاولنا فيها كشف أبعاد إعادة انتاج القبطية بالصورة التي يدعون إليها الآن. ويمكن الرجوع إليها للاطلاع على المزيد من التفاصيل حول المعنى الانعزالي للقبطية، وهي مجرد لهجة محورة منقولة عن اليونانية. لا علاقة لها بتطور لغات مصر القديمة. وحروفها يونانية مع إضافات تلائم اللسان المصري. لذا تجد المسيحيين من ذوي الأصول المصرية القديمة غير أولئك الرافضين للاندماج وغير من أبقوا على عزلتهم وانعزاليتهم، وتجد ذوي تلك الأصول أقرب إلى المسيحيين العرب، وكنت أتصور أن البابا شنودة واحد منهم. وتأييد التوريث تعزيز لدور الساعين لتقسيم مصر. المدعين أنهم أصل مصر وأهل البلاد الأصليين، وما عداهم غزاة ومستعمرون عليهم أن يحملوا عصاهم على كاهلهم و يرحلوا.
ونفهم تأييد البابا والكنيسة للتوريث ضمن هذا السياق. وإذا ما ورث جمال مبارك الحكم فسيكون شديد الضعف، ومكروها من الغالبية العظمى. وحكم ضعيف ومكروه يتحول إلى مستنقع آسن للفتن، وتنتشر بين جوانبه مبررات التقسيم وتسوده لغة التفتيت. وعلى البابا شنودة أن يعيد النظر فيما أعلنه، وإلا فإن موقفه يستحق الشجب والادانة الوطنية والتاريخية.

 

……………………………………………………………………..

د محمد عباس
www.mohamadabbas.net
mohamadab47@yahoo.com
 كان المفروض أن تنشر مجلة المختار الإسلامي هذا المقال، لكن إدارة المجلة رأت لأسباب أقدرها وأحترمها أن هناك مواءمات تجعل من الأفضل عدم نشره فيها. لقد كانت مقالاتي سببا مباشرا في إغلاق "صحيفة الشعب" نهائيا وفي إغلاق "الحقيقة" جزئيا وفي تهديد عدد من الصحف الأخرى في مصر والدول العربية، ورغم أنني أفضل المواجهة حتى النهاية مهما كانت العواقب، إلا أن ذلك مشروط بألا يدفع الآخرون الثمن معي. لقد تمنيت أن أُحاكم، أو أن أُواجه ويشهر بي على الملأ إذا كان ثمة خطأ واحد في أي معلومات أنشرها على الناس، لكنهم تركوا المواجهة الموضوعية إلى الاتهام بالإرهاب. إنني أنبه إلى الحصار الخانق على الصوت المسلم الذي يطارد حتى في بيته ويطرد حتى من المساجد. لقد ترك أسلافنا تسعة أعشار التجارة مخافة الربا.. وأخشى أن نتنازل عن تسعة أعشار الوطن مخافة الفتنة الطائفية.. وأن نترك تسعة أعشار الإسلام مخافة الاتهام بالإرهاب!.
 
إني أتهم.. "1"
الدولة تتنصّر!!
بناء الكنائس قضية أمن قومي
السلام مقابل ترك الإسلام!!
عزل المحافظ أحمد ضياء الدين
 
……………………………………………………………………………………………………… 
 (معذرة تفضل بالدخول إلى موقع المفكر فحجم مقاله لا يتسع هنا)
أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر