تأملات في الفن التشكيلي والواقع العربي
( الحداثة ومساحة العشق والهوى )
لقطة من الشريط السينيمائي : أولاد البلاد، للمخرج المغربي
محمد إسماعيل
……………………………………………………………………..
تطرقت في إدراجاتي السابقة إلى عنصرين أساسين في الفن التشكيلي وهما عنصر الزمان وعنصرالمكان .
ورأيت - حسب فهمي - كيف عرَّف الإنسان العربي الزمان مع إبن سينا ز(1\2) ، التعريف الذي مازال ساريا عند الإنسان المعاصر يستعمله في علوم الرياضيات والفزياء ، وكيف تنساب سيولة الزمان وارتحال تواجد الإنسان .والأهم كيف يرى الإنسان العربي الزمان ويتعاظم في وعيه في عصور الإستكانة والإنحطاط ليتحول دهراً إن لم أقل دهراً داهراً كالتشخيص الهندوشي (السند هند)(1) في وعيه المشخص للدنيا والآخرة ، وأخيرا كيف يشخص ويتوهم الإنسان الزمان في الفن التشكيلي عبر الحركة الخيالية للخطوط والسطوح والأحجام المولدة للفراغ .
أما في ما يخص مفهوم "المكان" أشرت- ودائما حسب فهمي- إلى مركزية إنية الإنسان وكيف ترى الكون حولها كدور لا نهاية له. وأن هاته الإنية تبحث بدون كلل عن مكانتها كمقام (مكان) في تجاذب مستمر بينها ومحيطها ، فهي تؤثر فيه وهو يؤقلما ويحدد سلوكها ، وأشرت أن من له الثقة في النفس والقدرة على الإجراء يكون هو المتمكن والمصيغ للأشياء بإحداث التغييرفي التواجد ، وفي إستعمال المكان لصالحه ، وأنه بدون الثقة والإعتماد على النفس لا يمكن التجديد ولا يمكن تكييف الطبيعة والتغلب على تحدياتها .
في هذا الإدراج إرتأيت أن أستعين بإدراج سابق ، كنت قد عرضته في السنة الماضية تحت عنوان : الحداثة في بلادي . كتمهيد لموضوع " مساحة التجديد والإبداع " أو(مساحة العشق والهوى) كما أسميها أنا التي سأتعرض لها في هذا الأدراج . ويمكنني القول والجزم اليوم أن التجديد والإبداع هو الموضوع والإشكال للعقل العربي الحالي بإمتياز ، والمنهك لفطنته في الحاضربسبب التحديات والإكراهات الجمّة التي تتعرض لها المنطقة العربية أنظمة وشعوبا .
فالكل في المجتمعات العربية ينادي ويطمح لتخطي الواقع الساكن، سواءالأنظمة القطرية أومعارضيها ، كلهم ينادي بالإصلاح والحداثة والديموقراطية وبالأصالة والمعاصرة وحقوق الإنسان…والمفاهيم المرافقة … وكل يلغو بلغاه والتحدي واحد .وهو الخروج من عنق الزجاجة -كما تقول المسرحية المصرية –.
والملاحظ كذلك أن الغربيين يعرفون هذا الوضع ويستعملونه كورقة مربحة للتعامل مع العرب .
الحداثة في بلادي
الحداثة والديموقراطية ، الأصالة و المعاصرة ، كلمات ومفاهيم أصبح تكرارها ورنين صوتها في أذان السامع العربي والمغربي على الخصوص ، كصوت الآذان من عُلوّ الصوامع يصدح ولا سامع ، يُسمع ولا يُبالى بمعناه ولا بجدواه ، فيدغمه السمع على سطح طبلة الأذن الخلفية فينتشر على غشاء الوعي ليصبح رسماً إعتياديا في المشهد المغربي .
رغم التطبيل والتزميرفي الإعلام المغربي للحداثة لا أحد تجرأ وعرف المغاربة بالطريق القاصد إليها ، فألصقوا معناها إستجابة لقهر الواقع والزمن ، رغبة في التغلب على المعاناة بالتعويل على التنمية الإقتصادية والبشرية .
ـ فهل الحداثة هي كما يعرفها الألمان او الفرنسيون أو الصينيون أو الماليزيون أو ألأمريكان أو غيرهم …..؟
- أم هي العصرنة التي عرّفها الإستعمارلنا بمفاهيمه ليثبت تواجده ؟
ـ أم الحداثة هي التغيير للفهم والذوق واللغة والترغيب بالتشبّه بالغرب لأجل مخاطبته ومسايرته ، علّ وعسى يقبل بمشاركتنا في الجري ورائه ؟
ـ أم هي شيئ آخر؟
حسب فهمي :
يقال بأن بداية الحداثة في التاريخ تبدأ مع بداية العلاقة المتجدّدة والمتفاعلة والمتبادلة بين المعارف ومرجعيات العلماء من جهة والمجتمع من جهة أخرى ، فالعلماء يستقون نظرياتهم من مجتمعهم والمجتمع يحتكم لنظريات ومعارف علمائه .
من هذا تكون عملية الإحتكام في الإجراء والتغيير يعيدها المجتمع لنظريات العلم والعلماء ، بينما نظريات العلم والعلماء تستقي مفاهمها ومعايرها الجديدة من مخاض وتحركات ومتطلبات المجتمع .
بإعتبار أن هذا التفاعل الخفي والمستتر المنظم للقوانين والسلوك والأعراف لا يقع إلا في الدولة الحديثة . خلاف التجمعات البدائية التي لا يرقى فيها التعايش إلى نظام هذا التفاعل .
حسب هذا الفهم لهذا الإرتباط الثنائي تتشكل الحداثة ، فإذا ما إنفصم هذا الإرتباط ، إنفصمت الحداثة .
مثال بسيط يجيب عليه هذا السؤال:
هل قوانين السير والطرق وقوانين البناء قرب الشواطئ في البلاد العربية أو قوانين الصيد مثلا كانت نتيجة دراسة قام بها علماء العرب لجغرافية عقل المجتمع العربي في إستيعابه للمكان ، أم أنها قوانين مستوردة ، فإذا كانت مستوردة تنتفي معها الحداثة .
ربما يكون هذا هو معنى الحداثة ، لذلك نجد أعداء الدولة الحديثة يلجؤون لإفقارها بالتمكن من علماء جامعاتها ومن لغتها ، ( ومثال العراق شاهد أمامنا ، فبعد إحتلاله أغتيل آلاف من علمائه ظلماً ، حتى لا تقوم قائمة للدولة الحديثة في ربوعه مستقبلاً ، ويعم البؤس والفقروالجهالة والتناحر ليسهل إستعباده ) .
ولما كان مفهوم الحداثة مرتبط بالتجديد المساير لقانون الحياة ، فشا وانتشر في ألأوساط الثقافية والإعلامية فأصبح كـ”ميتو” سحري معاصر تتطلع إليه المجتمعات الركيكة وتفتخر به المجتمعات الأحسن تنظيما .
فربط بعضهم بداية عصر الحداثة بالثورة الصناعية الغربية بسبب طاقة الفحم الحجري وما تبع ذلك من مفاهيم ومعايير في الصناعة ، لكن ذلك يدخل في خانة مسار التاريخ الغربي ، وكذلك هو شأن القائلين بزمن ”ما بعد الحداثة ”، ويدعون بالعولمة ونهاية التاريخ /وصراع الحضارات ،أو إلتقاءها …. فإنهم يؤرخون لزمانهم ولغلبتهم وخصوصا بعد أن إمتدوا على البلاد الإسلامية وهم يقارنون إمتدادهم ضمنيا بالإمتداد الهيليني في التاريخ القديم أو ما يسميه المؤرخون العرب بالروم الأولى، و مقتنعون بأن أصالة ثقافتهم تبتدئ وتعود إلى القبائل الهيلينية التي كانت حملاتها على بلاد المشرق إحدى الأسباب في إنقراض ثلاثة ألف سنة من الحضارة المصرية والعراقية
المزيد