إنية " إنَّ "
(رغم تحديات الوقت والحُفر أتابع ، وأشير أن بعض الإشارات المرافقة تكمل الموضوع متوخية التوضيح )
جزء من صورة جدارية تعود لقصر مدينة ماري(بداية الألف الثاني قبل الميلاد) حاليا تل الحريري ، تقع علىالجانب الغربي لنهر الفرات ، متحف اللوفر ، باريس
تباينت قدسية "أنْ "(السماء) وقدسية "كي"(الأرض) المولدتين لإبنهما "إنليل "(الهواء) في الثقافة السوميرية ، فتعاظم شأن الإلاه "أنْ " لما للسماء من قدرة الإبهارلعقل الإنسان ، فبـُنيت في تلك العهود القديمة أكبر المعابد وأقدمها لإلاه السماء "أن " في أوروك(وركة ، جنوب العراق) كما أظهرته الحفريات الحديثة ( 3000 ق.م) (1)
يجمع كل الدارسين والمهتمين بالتاريخ العربي القديم ومعتقداته ويتفقون ويشيرون إلى أن الدور-الدائرة السماوية- أي الدور الفلكي الكوني كان يمثل الإلاه " أنْ / أنُّو / أنـُّوم " ومن مميزات هذا الإلاه الأبوة والشمولية والكمال المناسبة لشمولية وكلية الدور السماوي نفسه ، فهو في الكتابات الرشمية (المسمارية) إلاه السماء ، وأبو السماء وملك السماء " إلْ شَمِّي ، أبو شَمِّي ، شار شَمِّي " وهو الإلاه الرئيسي " إلُّو رِشْتُو " وهو السيد الأول والمطلق " بِعلُّو رَبُّو " ،و لكل ما هو موجود في السماء والأرض " بعلْ ماتَات ِ ، بعلْ شَمِّـي ، أ ُو إرْصْتي " . (2)
والنجمة التي تمثله هي نجمة القطب ، وكيف لا وهي مركز دوره وعليها تدور وتتمحور حركة النجوم من المشرق إلى المغرب في دورة كل يوم ، وكانت تعتبر أميرة " أن" (أنـًّتم) ربَّة السماءبإمتياز " مُولْ أنَّـتـُمْ رَبّـِتـُمْ شـَاشـَمّـِي " . (3)
هاته السمات والصفات هي التي يشير إليها الفرابي ويلحقها بالكلام اليوناني مع العلم أن القبائل اليونانية لم تتوافد وتعمر جزر البلقان إلاّ بعد (1300 ق.م. )، وهذا يعني وبدون شك أن القبائل اليونانية استساغت وتأثرت بالهاجس العقائدي العربي القديم المتأصل في المنطقة منذ آلاف السنين قبل ظهورها على مسرح التاريخ .
من رموز الإلاه " أنوُّ " في التشخيصات المعثور عليها سواء المنحوتات أو الرسوم الموروثة هي رسم الدائرة أو رسم دور يؤخذ عادة في اليد أو يوضع فوق الرأس أو يقلد على الصدر، أنظر (الصورة - 1-)
وأحسن مثال- إخترته - يمثل إنية الإنسان في حِمى مركزية الدور في التاريخ العربي القديم نجده في دور ( الإلهام والأحلام ) في ملحمة غلغميش ، في اللوحة الرابعة عند رحلته إلى جبل لبنان لمجابهة الوحش "هواوا " .
تقول القصيدة ( اللوحة الرابعة / العمود -1-/ النص الأشوري ) (4)
بعد عشرين بـِرّ ُو مضعفة وقفا ليقتاتا قليلا .
10- بعد ثلاثين بـِرّ ُو مضعفة وقفا للبيتوتة
كانا قد قطعا خمسين بـِرّ ُو مضعفة في مسيرة يوم .
مسيرة شهر ونصف (قطعاها ) في ثلاثة أيام (…)(5)
هما كانا يقصدان الوصول إلى جبل لبنان
(قبل الغروب ) أمام شَمس(6) حفرا بئراً.
(……..) هنالك فعلا (…….)
غلغميش صعد إلى قمة الجبل (…..)
قام بالقربان بنذر "مشتو " (7) وقال :
يا أيها الجبل أرسل لي بحلم يكون لي فألاً حميدا ً
20-أنكيدو لغلغميش كان قد أعدَّ
وزرَّب بمتانة (ملاذاً من ) الريح
ساعده على الأستلقاء في دور ……( معصوم) (8)
غلغميش ناء بذقنه على ركبتيه
والنوم الذي(يلقح ) الإنسان أسدل عليه (بغطائه)
نلاحظ في الأبيات الأخيرة لهاته القطعة كيف يساعد أنكيدو صديقة غلغميش في الإستلقاء في دور معصوم للنوم لإستقبال الحلم المرتقب .
وهذا ما جعلني أأوِّل :
فإذا ما كان العالم الذي يتحرك فيه غلغميش مليئ بأرواح المظاهر الطبيعية كأرواح الجبال والوديان والرياح والعواصف والغابات والصحاري وباقي الأرواح الخفية المحيطة به من كل جانب ولا يستطع رؤيتها ولا إبعادها عن هلوسته في يقضته ، فكيف له أن يحطاط من تأثيرها وهو نائم وكيف يصنع ملاذاً وحدّاً يفصل بينه وبينها ، فاضطر لإستعمال لغة الرمز لما لدلالة الرمز والعلامة من قوة الردع قد تفوق لغة الكلام والتعاويذ المرافقة ، فلجأ إلى رمز الإلاه "أنو" الدور ليعتصم ويحتمي به ، وكيف لا وهو أب الآلهة كلها ورب السماء وما فيها . تقريبا كإحتماء الراهب بالصليب من شر الأ رواح الشريرة في قصص الأفلام الغربية .
ربما الدور هنا هو تلميح للزرب الذي أعده أنكيدو لصد البرد ولفحات الرياح ومع ذلك نرى الشاعر يتابع كلامه فنرى أنكيدو يساعد صديقه غلغميش في الإستلقاء في دور معصوم لترقب الحلم المبتغى وهذا - في نظري- ما كانت تفهمه من كلمة الدور مائات الأجيال التي كانت تتغنى بهاته الملحمة .
لم يفقد الدور دلالته كرمز للإحتماء وللعصمة على طول التارخ العربي القديم رغم ظهور آلهة ثانوية تشارك الإله "أن" في الشمولية والحماية كالإله سين(القمر) ومردوك وأشور( الذي كان شعاره الدور المجنح ) وخصوصا الإبنة الإلهة إنانا السوميرية الأكادية المتمثلة في عشتريت الشام وتنيت المغرب وشالا ليبقى هاجس هاته الإلهة مع نجمة زهرة الإسلام (9) ساريا في الثقافة العميقة للشعوب العربية الإسلامية .
بقي الدور - كما قلت - ساريا في الثقافة العربية القديمة واستمر كشعاريوضع ويربط على الرأس في العصر البابيلي والأشوري وخصوصا في العصر المسمى بالهيلينيستي (300ق.م-200ب.م) حيث الدور أو الشريط الذي يربط حول ، الرأس ( diadema دياديما)هو الشعارالمميز الخاص بالنبلاء والعقلاء والحكماء عند اليونان .
ويغلب الظن عندي أن العقال العربي الحالي وخصوصا المفتول بشعر المعز جذوره تعود إلى ما قبل هذا العصر إلى العصر الأشوري كما نلاحظ في الصور المنقوشة في المسلة السوداء التي تعود إلى عهد سلمنسار الثالث858ق.م- 824ق.م ، المتحف البريطاني . وتمثل ملوك الأقاليم وهم يقدمون الهدايا ( الصورة- 2 - ) أما ثوب الشماغ المرافق حاليا في المشرق العربي–في نظري- فرضته البيأة الحارة وتغلب البداوة على الحضر .

(الصورة -2- ) إحدى صور المسلة السوداء (824 ق.م)، المتحف البريطاني ، تمثل ولاة وأمراء البلدان التابعين للإمبراطورية الأشورية وهم يقدمون الهدايا .
وقد يلاحظ المتتبع للتاريخ العربي القديم أنه في هذا العصر بالذات ظهرت المدن الدينية المحرمة في العراق والشام ومصر والمغرب مما أدي بظهور دور الحكماء والمعلمين والأنبياء فشخصوا على عروشهم وكللوا في التصاوير بهالات دائرية قدسية كما نجدها في تصاوير القديسين المسيحيين والمسلمين على حد سواء .
إلا أن الدور في الإسلام وجد صيغته الحقيقية فجُسم وشـُكل في المعمار الديني في شكل القبب وقـُبّة مسجد الصخرة التي تعود للعصر الأموي خير وأسعد مثال على ذلك ، فكيف نبني على مكان الإسراء والمعراج نحو السماوات إلا بتلك الطريقة الدائرية الموحية بباب السماء ، أما وحدانية مركز الدورفي المعمارالإسلامي فأتت كرمز للعصمة وفضل المكانة في المقر المخصص للإمامة في الجوامع والمساجد في مقام المحراب نفسه . (الصورة – 3 -)
لم يكن شكل المحراب موجودا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولا في عهد الصحابة ، ظهر مع الوليد بن عبدالملك عند توسيعه للمسجد النبوي ، أي عندما بدأ ينطفئ إتجاه الإندفاع الحيوي الثوري للفتوحات الإسلامية من الداخل إلى الخارج ليتحوِّل إتجاهه بفضل الموالي من الخارج إلى الداخل ليرتب أوضاعه الداخلية في الرقعة الإسلا
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ